جريدة الحوار


اقرء في جريدة الحوار اليوم

بين المعرفي والسياسي في الثقافة الإسلامية

كتبهاalhiwar ، في 31 مايو 2007 الساعة: 14:12 م

 

 

د . محمد الحسن اعبيدي*

المعرفي والسياسي حقلان متداخلان في الموروث الثقافي الإسلامي رغم ضمور المنتوج السياسي أو ما يسمى بالفقه السياسي في الثقافة العربية الإسلامية لأسباب تعود في مجملها إلى :
أجواء التوتر التى سادت العلاقة بين منتجى الخطاب الثقافي والسلط الحاكمة التى تكرس نفوذها للتحكم في ذلك الخطاب وتوجيهه حسب ضرورات الحكم ومقتضياته حتى يحدث إنفصال بين المثقف ومجتمعه والواقع الذي يعيشه ويصبح مجرد سوط بيد السلطان يرفعه متى أراد وفى وجه من أراد فيتحول الخطاب النخبوي التوجيهي إلي خطاب تبريري سلبي.

ذلك هو مراد السلط المستبدة من المثقف الذي ترى فيه خطرا يهددها إن تفرّغ لعمله واستقل برأيه وأدى دوره في توعية بنى جلدته ، ويرى هو فيها سيفا مصلتا على رقبته فكان منه التوجس والخوف وكان منها الترغيب والترهيب والترقب .
الأمر الذي ولّد عند سدنة الثقافة خيبة أمل وجموح عن الإبداع وتخف وراء التأويل والرمز تسترا بمبدأ التقية والمداراة خوفا من الفتنة والافتتان ورغبة في استقلالية العلم عن أهواء السلاطين المتقلبة.
مرحلة التصادم بين المعرفة والسياسة
نشأت القطيعة بين المعرفة والسياسة في الفكر الإسلامي أو على الأصح ذابت الأولى في الثانية منذ تدشين معاوية بن أبى سفيان الكرسي الملكي وإعلانه بدء ( الملك العضود ) وسط ملابسات معروفة لا يتسع المجال لسردها إيذانا بعلمنة الدولة بمفهومها المعاصر الذى يعنى عدم تدخل العلماء في السياسة والحكم وإتاحة هامش واسع من الحرية للأمراء يجعل المساءلة عن تصرفاتهم غير ممكنة يتأوّل لها النص أو يتلمس لها أحسن المخارج، فراجت مقولات تستند للحديث النبوي وتضاف له من نحو " السلطان ظل الله في الأرض " و" إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " فتأّله السلطان أو ألّه وأسر الفكر في التأسيس والتبرير لتصرفاته وسلوكه عن قصد. وما الإضافات التى كتبت في موضوع السلطانيات على قلتها عبر التاريخ العربي الإسلامي إلا محاولة لإضفاء الشرعية على سياسة السلاطين والملوك الاستبدادية والدفاع عن تصرفاتهم وتبريرها ، خذ على سبيل المثال رسائل ابن المقفع والماوردي والطرطوشي والمرادي ورسائل ابن الشيخ سيديا لإقناع علماء عصره بعدم محاربة المستعمر الفرنسي تجدها كلها تدور في فلك واحد وهو دعوة الرعية للخنوع والاستسلام وترك ولاة الأمور يدبرون أمورهم فهم لا يفعلون إلا ما فيه مصلحة ولو كان إزهاقا للنفوس وإهلاكا للحرث وتضييقا لموارد العيش.
وهكذا عملت السلطات السياسية المتعاقبة في تاريخنا الإسلامي على تفاوت بينها في التحكم في فئة معينة من النخب المنتجة للثقافة خاصة تلك القادرة على سلب الشرعية أو إضفائها وتحريك مشاعر الجماهير كالعلماء والفقهاء والشعراء.
التوظيف السلبي للمعارف
كان للأمراء في العهدين الأموي والعباسي دور في إذكاء المناظرات بين أقطاب الثقافة لشغلهم في أنفسهم عن التفكير في الحكم وإثارة الرعية من أجله ، فأذكوا في الشعراء نار العصبية كما تجسدت في نقائض جرير والفرزدق ومن سار على نهجهما . وأثاروا للفقهاء مسائل تتعلق بالجانب العقدي من حياة الإنسان لم تكن مطروحة للبحث في العهد النبوي والعهد الراشدي وإنما استقوها من الواقع ومن تصرفاتهم مع الرعية ، يظهر في طريقة طرحها أن الهدف منها هو توظيف نتائج البحث فيها لخدمة السياسات السلطوية للأمراء ذلك الوقت.
ولعل هذا ما جعل الأمويين يميلون إلى تبنى الفكر الجبري لأن طروحاته ترفع المؤاخذة عن الإنسان في ما يصدر عنه من تصرفات وتعتبره فاقد الإرادة أمام القدر الإلهي وهو ما يسوغ تصرفات الحاكم المستبد على أنها قضاء وقدر يجب التسليم به.
في ما تبنى العباسيون طروحات المعتزلة المؤكدة على حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله وصادروا غير ذلك من الآراء وعرّضوا أصحابها للمساءلة مثل محنة الإمام مالك أبن أنس لفتواه بعدم نفاذ طلاق المكره الذى يمكن أن تقاس عليه بيعته وكذلك محنة أحمد أبن حنبل لمخالفته رأي سلطات الدولة بالقول بخلق القرآن.
ولم تخل حقبة في التاريخ الإسلامي من علاقة تصادم بين النخبة السياسية والنخبة الثقافية، تحاول الأولى احتواء الثانية وتوظيفها لتكون أداة من أدواتها السلطوية ووسيلة من وسائل الهيمنة لديها.
في حين يسعى أصحاب الإبداع الثقافي لأن يكونوا روادا في مجتمعاتهم يتحملون مسؤولية تنوير عقول الناس والدفاع عن الثوابت وغرس القيم والمثل العليا وفى نفس الوقت العين الناقدة لتقصير السلطان في حق الرعية.
هذا الطموح المتحكم في طرفي المعادلة يجعل العلاقة بينهما تتسم دوما بالتوتر وعدم الإستقرار وهو ما من شأنه أن يقلل من إمكانية إستفادة أحدهما من الآخر وبالتالي يضيع المجتمع في ردهة التنافس بين الاثنين.
آفاق التكامل بين المعرفة والسلطة.
من البديهيات أن المعرفة بوصفها جملة من القيم ومنظومة سلوكية ونسقا من الأفكار لا ينتجها إلا العقل الواعي المتحرر من أعباء الحياة.
فالمعرفة من هذا المنطلق متوقفة النمو على وجود السلطة لأنها ترف فكري لا ينمو إلا في مجتمع وصل أهله لدرجة عليا من الرخاء والاستقرار وهو ما لا يتحقق إلا في كنف سلطة سياسية واعية لقيمة المثقف ودوره في إنجاح خططها التنموية وإستشراف الآفاق المستقبلية لمصادر النمو وعوامل الإنتاج.
لو أفسح له المجال ورفعت عنه الرقابة وسخرت له الوسائل والإمكانيات لتطوير بحثه وتنمية وتنويع منتوجه الثقافي وتوظيفه في ما يخدم المصلحة العليا للمجتمع ويحقق رخاءه الإقتصادي .

استاذ أصول الدين بالمعهد العالى

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

تابع الخبر والتحليل في يومية الحوار