عودة الليبراليين المتوحشين
كتبهاalhiwar ، في 20 يونيو 2007 الساعة: 01:53 ص
حنفي ولد دهاهدعونا نترك عهد ولد الطايع.. والعصى الغليظة التي ظلت تلوّح في وجه المطالبين بحقهم في التغيير.. والاقتصاد الوطني الذي تكالب عليه رجال الأعمال تكالب الأَكَلَة على القصعة.!دعونا نتذكر كل ما حصل من قمع وعنف فكري وبدني، وديكتاتورية يندى لها الجبين!
ودعونا نتذكر الحلم الذي كان يضيء لنا عتمة المستقبل المجهول، فيدفعنا لأن نناضل ونكافح ونقف بجسارة في وجه قوارع الاستبداد ودواهيه.
إن حلمنا بالتغيير كان أفضل مما حصل من تغيير.. حلمنا بأنه عندما ينزاح كابوس ولد الطايع ستنزاح معه همومنا ومشاكلنا.. وسيولد بموت عهده عالم جديد من الرفاه والرخاء والحرية والمساواة في الفرص والحظوظ.. وسننفض عنا غبار الأيام الخوالي ودَرَنِها.. ولكن الكابوس انزاح بكابوس، ونشدنا الخلاص من ظالم بظالم.. فتفتكت عُرَى الحُلم الرائع بنهاية أبدية للاستبداد.
.. لاشيء تغير طيلة الفترة الانتقالية، سوى أننا استبدلنا شامة بشارب، ورجلا رَبعَة بمُشَذّب فارع الطول.. وقرأنا التاريخ من رِجلَيه، فبعد أن حدثتنا كتب الأثر عن انقلاب لمعاوية على علي، هاهو علي ينقلب على معاوية.. و"شتان ما بين اليزيدين في الندى…"!
لقد ظلت نجائب الليبرالية المتوحشة حثيثة الخطى، تكسر بعنجهيتها أضلاع البؤساء والمطحونين.
فكل القرارات والاتفاقيات والمشاريع والقوانين كانت تخدم هذا التوجه الليبرالي المقدود قلبه من صخر.
فما انحرف المنقلبون (على أعقابهم) قيد غلوة عن سنة الطائع "العاصي".. فله وزرها ووزر من عمل بها.. ولم يفكر في العامل الفقير الذي بانت فقرات ظهره لجوعه.. ولا المسكين الذي سكنت يداه عن التصرف، ولا الصبي الذي يتضور جوعا فلا يجد في ثدي أمه ما يكفيه.. ولا الكوخ المتهالك الذي تعصف به الحراجيف.. ولا المريض المعدم الذي سقط حسيرا على بلاط المستشفى الوطني البارد.. ولا التلميذ الفقير الذي لا يستطيع أبوه أن يوفر له خبزا ودفترا مَعَاً، فاختار الخبز الحافي، لأنه لم ير للتعليم قيمة في هذا البلد الذي يتسكع فيه خريجوا "هارفارد" و"جورج تاون"..
ولم يفكر أحد في فقير أتى امرأته الطّلَق ليلاً وهو صِفر الكف من أجرة سيارة، ورشوة ممرضة، ومستلزمات دواء.ربما لم يعد يفكر فيهم سوى ولد مولود وولد بدر الدين اللذان باشرت بشاشة "الماركسية" قلوبهما يوما، وبقي منها بعد ذلك ما يبقى من صبابة في رَكَوَة.
ورغم أن الحلم ظل يتدحرج مع ولد محمد فال كصخرة سيزيف، فيوما يُُمَنِينا ويوما يَرِيبُنا… إلى أن كادت "البطاقة البيضاء" تقصم ظهر الديمقراطية، إلا أنه لم يمت وإن أصابه الدُّوار وأخذته حُمى بِنَافِضٍ.
وعندما اعتلى الأكمة ولد الشيخ عبد الله استبشرنا به خيرا.. وقلنا لن يدخر هذا الرجل المسلم المسالم جهدا في أن "يعبد الطريق لبغلة عثرت على شاطئ دجلة".
وقلنا ستُرَاضُ هذه الليبرالية المتوحشة الحرون..
وأكلنا زبدة الحلم حتى ازداد وزننا أطنانا.. و"تحسب الشحم ممن شحمه ورم"، إلا أن الأيام أعادت الحلم على بدئه. فنبتت للرجل مخالب وأضراس، لا تزال تنشب في ظهر المواطن الفقير.
فهل نستجير من رمضاء بنار؟!
وهل هي يدُ الأيام لا تزال كسابق عهدها: ما تُجِدّ كما تُبلِى؟
يا ضَيعةَ الأرض والعِرضِ إن ظلت الليبرالية المتوحشة تأكل من حشاشات نفوس الفقراء:
الأسعار تراهن على أن تضرب قبابها في ذرى القمر القرمزي.. وغاض "الماء" واستوت على الجودي… وأظلمت الكهرباء.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.. وحَسبُك من دُجى ليلةٍ أن يكون ولد الطايع بدرها… و"حسب المنايا أن يكن أمانيا".
الوزير الأول ولد زيدان، يقدم أمام البرلمان برنامجا اقتصاديا موغلا في الليبرالية ويرفض جازما أن تدعم الدولة الدواء والغذاء.. فـ"درهمك وحده يرحمك"… و"الفقراء لا يدخلون الجنة". ثم لا يكفيهم سوى أن يعود القيصر محمد السالك ولد هيين لإدارة الشركة الوطنية للكهرباء.
تقول مصادر موثوقة: أن محمد السالك التقى سيدي ولد الشيخ عبد الله في مكتبه بالقصر الرئاسي (وكان ولد هيين أحد السبّاقين لدعم ترشح ولد الشيخ عبد الله، ولهذا فالمقصود من تعيينه المكافأة وليس الكفاءة) وعرض الرئيس عليه إدارة الخطوط الجوية الموريتانية .. فرفضها لأنها شركة مفلسة.
محمد السالك هو أحد رموز الليبرالية المتوحشة، فعمله أيام كان إمبراطور "اسنيم" كان ينصب على الاهتمام بالآلة اقتناءً وصيانةً أكثر من اهتمامه بالإنسان، فرغم أنه نجح فنيا في إدارة شركة كانت قيد أنملة من الإفلاس، إلا أن ظروف عمالها الفقراء كانت مزرية.. فحين كان أبناؤه يدرسون في جامعات أمريكية، ويعالج من يشاء على ضمان "اسنيم" لم يكن يأبه لمرض "الدرن" الذي يصيب العمال جراء غبار المناجم، فيأكل أجسادهم المتقيحة.. وكان يطرد عماله وموظفيه لأبسط خطأ..كما يُشهَدُ لجهويته في التعيينات ومنح الامتيازات.. وفي عهده لم تزدد مساكن عمال الشركة، بل كان يعير بعضها لغير الموظفين لديها من أمثال ممثل الحزب الجمهوري في انواذيبو وغيره.
الرائع في تعيين الرئيس لولد هيين، وعرضه عليه إدارة الخطوط الجوية أولاً، هو أن تكون الشركة منتدبة لرجل، وليس الرجل هو المنتدب لإصلاح شركة. وأن تعطى هذه النماذج الليبرالية السيئة فرصة العودة للانقضاض ثانية على أقوات الشعب البائس.
ألم يمُت الحلم في التغيير، وتبدو لنا السراديب المعتمة طويلة.. طويلة.. كأعمار الطبقات الكادحة.
ألم يكن الليل الذي نحلم معه بفجر جديد أرأفُ بنا من ليلة نابغية، تُشدّ نجومُها بأمراس إلى هضبتي "إِجِ"، وتَقتُل فيه الديمقراطية "النزيهة" الشفافة" كل أمل بالتغيير.
أو ليست الديمقراطيةُ العرجاءُ أسوأ من ديكتاتورية ينطلق قطارُها بسرعة البرق؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























