ليبرالية الملالي
كتبهاalhiwar ، في 20 يونيو 2007 الساعة: 01:58 ص
أبو العباس ولد ابرهامنقطتان تطبعان عمل الحكومة الموريتانية الحالية: 1- ليبرالية الدولة و 2- "أخلاقيتها". على هذا الضوء يجب قراءة أي عمل حكومي على مدى السنوات الخمسة القادمة.
1- جاءت ليبرالية الدولة في المجال الاقتصادي تحصيل حاصل، ليس فقط نتيجة لتوجه رئيسها ورئيس الدولة قبله، ولكن أيضا في أنهما لا يشكلان أصلا قطيعة -نظريا- مع ليبرالية السيد الطايع. إن أقصى ما يطمحان إليه هو جعلها أكثر ليبرالية أي كسر الاحتكار وتوسيع طبقة رجال الأعمال، ولكن ليس أقل توحشا (أي ليس باقرار سياسة اجتماعية منفوق عليها من الميزانية كما قرر الوزير الأول).
تعود الأصول الليبرالية إلى أيام سالفة أيام كان السيد الرئيس منفذا لتوصيات البنك الدولي في الدول النامية، وأيام كان رئيس حكومته وكيلا لنفس البنك في صفة محافظ للبنك المركزي.
جاءت اللبرالية هكذا طرحا بعناوين مختلفة في الحملة الانتخابية وجاءت نتيجة لذلك في خطاب التكليف من الليبرالي الأول إلى الثاني الذي أسهب في تأكيد هذا التوجه أمام البرلمان في خطاب سياسة الحكومة. إنه يذهب بعيدا في طرحه هذا إلى درجة أنه يعلن أن أول خصم من الميزانية (وهو خصم متوقع في ظل العجز السائد) سيكون من برامج مكافحة الفقر، ثم إن –يقرر الوزير الأول في سياق آخر- الدولة لا تنوي أبدا دعم المواد الاستهلاكية لتحسين الوضع المعيشي للسكان.
1- ليس المقصود بالأخلاقية ما يعرفه منظرو التقدميون من ضرورة تدخل الدولة ضد الاستغلال والظلم الاجتماعي. لا، المقصود هنا إضفاء طابع ديني على الممارسات اليومية للدولة. يجد هذا التوجه أيضا نفسه في خطاب التكليف وخطاب الحكومة. ولكنه يعود قبل ذلك إلى الطبيعة الشخصية للرئيس بالاضافة إلى التفسيرات التي تقوم بها الإدارة لصلاته الشهيرة.
تتعالى أخلاقية الدولة أحيانا على التزامها بالحريات الشخصية بحيث إن شرطة الأمن تحولت إلى شرطة آداب ومنع "خدش الحياء العام" بالنموذج الإيراني: متابعة علاقات الرجل والمرأة، تحريم الرياضات الميكانيكية، إغلاق الملاهي الليلية.
أين غبت عنا كل هذا الوقت، يا ليبرالية الملا عمر؟ !
-2-
أصغر محافظ للبنك المركزي، وأصغر مترشح للرئاسة، وأصغر رئيس وزراء حافظ على أرقامه القياسية في الأسبوع الماضي وقدم "أصغر" خطاب حكومة. وهو قدم جليلة للفضول الشعبي المشرئب لمعرفة نوعية الحكومة الجديدة ووضع الرتوش الأخيرة على الفلسفة الحكومية الجديدة.
ويبدو بالنظر إلى الانقسام الشهير في الفلسفة ما بين مادية (الفلسفة التي ترجع الشيء إلى عناصره المحسوسة) ومثالية (الفلسفة التي ترجع الشيء إلى الفكر) أن صاحبنا قرر الانضمام للأخيرة مضفيا عليها طابعا سياسيا سيقود له البلاد. وداعا للتعامل بمادية مع الأشياء.
وهو ينظر بمثالية إلى خطابه هذا، ويجيب بمثالية واضحة عند سؤاله عن أهداف برنامجه ولماذا لم يتكلم عنها، أنه ليس من شأن خطاب التدشين إعلان أهدافه. في صميم مثاليته لم يغب على الخطيب التمسك أيضا بمثاليات المادية، وهو يكرر في هذا المجال كلام بارميندس: الشيء (البرنامج) موجود واللاشيء (الأهداف) غير موجود. أرضوا الشيء واتركوا اللاشيء.
فوق كل ذي علم عليم. يستمد السيد الوزير ميثاليته من خطاب التكليف القادم من القصر الرمادي. وهو يماثله في التعالي على مشاكل المواطن البسيط والنظر كما تفعل المثالية دوما إلى أعلى. وهكذا جاءت القضايا السياسية (مشكلة المبعدين، قضية الرق..) على حساب قضايا مكافحة الفقر، التشغيل، اجتماعية النظام الاقتصادي… يتماثل الخطابان في المزج ما بين الليبرالية والمثالية وهما بهذا يقدمان حلا مثاليا لمشكلة الفقر: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له.
-3-
الذي وقف أمام البرلمان في الأسبوع الماضي وألقى خطابا ليبراليا مطعما قليلا بأخلاقية دينية لم يكن الدوق ولنغتون أو اللورد ليفربول أو غلادستون (رؤساء وزراء ليبراليون محافظون في بريطانيا القرن التاسع عشر). لا، الذي فعل ذلك كان الزين ولد زيدان (رئيس وزراء موريتاني في القرن الواحد والعشرين). هذا هو الفرق: الفرق في الخطباء لا الخطاب. لقد استعار خطيبنا شفاه مفوهي الليبرالية الفيكتورية للإعراب عن فلسفة حكومته الجديدة.في الأسبوع الماضي، وفي حديث عام، حاول البعض نفي هذه المسحة الليبرالية بالحديث عن التوجه الديني الجديد للدولة، وكأن هنالك تناقضا في الأمر. يجب التذكير هنا بأن أول ليبرالية في العالم ولدت من رحم المحافظة الدينية. ومن منا لا يستطيع تقصي الليبرالية البريطانية إلى أصولها الانجلكانية والتورية (نسبة إلى حزب التوري). لقد لجأت ليبراليات عدة إلى الدين إما للتعويض عن غياب تنظير اجتماعي لديها أو إحقاقا لأمزجة رؤسائها المتدينين أمثال غلادستون. لقد جمع النموذج الموريتاني النقطتين.
"ما لعيب في الليبرالية؟"، قد يقول البعض. وقد نوافقه في أن الليبرالية ليست عيبا كلها خصوصا مع سقوط التبني الصارم للأيديولوجيا، ومع إعادة هيكلة الليبرالية لتتضمن دولة الرفاهية Welfare state والجيل الثالث من الحقوق (حق العمل، حق التعويض عن البطالة، الضمانات الصحية والاجتماعية..) المشكلة هنا هي أن ليبرالية الوزير الأول ورئيسه ليست فقط ليبرالية ما قبل دولة الرفاهية وما قبل الجيل الثالث من الحقوق، ولكنها ليبرالية ما قبل كاينز حتى (كان كاينز حقنا لليبرالية بالاشتراكية لتتماشى مع أوضاع التجويع والتفقير أيام الأزمة العالمية 1929).
إنني أقترح هنا جولة مقارنة سريعة في أربعة نقاط واردة في خطاب وممارسة دولة رئيس الوزراء للتأكد من بدائية ليبراليته:
1- تدخل الدولة: يرفض الوزير المثالي تدخل الدولة ليس لإرساء ضمان اجتماعي للمواطن، ولكن حتى في دعم المواد الاستهلاكية الأولية لتجنب عدم ارتفاع أسعارها. وهو يتغاضى عن التجارب القريبة (المغرب العربي) والبعيدة (أمريكا الجنوبية والصين) قائلا إنها فشلت في العالم كله.
الحل برأي الوزير هو "تنقية" الدعم الاقتصادي بحيث يوجه للمتضررين مباشرة دون أن يكون له علاقة بعموم النظام الاقتصادي. ربما كان يقصد هنا توزيع أكياس الحبوب على المواطنين أوقات المجاعة والقلاقل تماما كما كان يحدث أيام "الأخ الأكبر".
تعود الجذور المثالية لهذه النظرة إلى جايمس ميل (ليبرالي إنجليزي في القرن التاسع عشر) الذي اعتقد بأن التدافع نحو اللذة وتفادي الألم -الذي يعتبره غريزة بشرية- سيؤدي إلى نشوء "يد خفية" تسوق مصالح الناس، وأن أي تدخل للدولة هو خلخلة لعمل هذه اليد. من المؤكد أن ميل ما كان ليعتبر "المساعدات" التي لمح إليها الوزير الأول ضررا بيده الخفية.
2 – الفقر: في الفلسفة الجديدة ليس الفقر هو نتيجة التفقير وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص كما يقول التحليل المادي. على العكس، إنه هنا نتيجة الكسل والتكبر. المشكلة في الفكر وليس المادة. وتقترح الآليات الحكومية التي بدأت منذ أسابيع تصحيح العقليات لا الوقائع. ويشن الإعلام الوطني، في هذا السياق، حملة واسعة ضد المتسولين والمعوزين، مؤكدا على أهمية العمل وإلى أي مدى هو شرف بدليل الحديث الفلاني والفلاني. كأن القضية تتعلق بالفعل بهروب جماعي عن العمل، وليس بعدم وجود العمل أصلا.
ذهب مثاليو القرن التاسع عشر حدا بعيدا في اعتبار الفقر خللا نظميا مرده تفشي حالة الكسل. وهو مرض بالنسبة لجيريمي بنتام (ليبرالي إنجليزي آخر) لأن النفس البشرية هي البحث عن المكاسب واجتناب الماسي، وعدم النجاح في هذه الغاية الوجودية هو مرض نفسي. بناء على رفضت انجلترا القرن التاسع عشر –تماما كما ترفض موريتانيا اليوم- إطعام الفقراء إذ قد يشجعهم هذا على عدم العمل ومن ثم إصابة الاقتصاد ب"خلل نظمي".
3 – التشغيل: الوزير الذي اشتهر في حملته بالحديث عن خلق خمسين ألف فرصة عمل ظهر في أول خطاب له وهو يشكو -كأي ليبرالي قديم- من حجم العمالة الموجود في الوظيفة العمومية وهو يكاد يبكي من أن بلادنا تمتلك أكبر قدر من الموظفين الرسميين بالنسبة لعدد السكان، ويلوح بيده بتنفيذ قدر كاف من التسريح للالتفات على هذا.
سؤال: ماهو الفرق بين التوظيف والتسريح؟ الجواب: شهر.
في المقابل يتحدث الوزير الأول عن ضرورة خلق وظائف صغيرة للتعويض عن حجم البطالة و(التسريح لم لا؟) ولكن ماذا عن البطالة العالية: بطالة حملة الشهادات والاكاديميين والمستثمرين الماليين: هل سيدفع بهم إلى معسكرات الوظائف الصغيرة؟ لا جواب.
تعود هذه الفلسفة أيضا إلى إنجلترا القرن التاسع عشر: ساهمت إجراءات التسييج (مصادرة الحدائق العامة) في تسريح آلاف الفلاحين والحطابين وعمال الحقول (طبقة كاملة تعرف باليومانرى) وهجرتهم إلى المدن. لم تنفع عندئذ الوظائف الصغيرة التي كانت توفرها مصانع الثورة الصناعية في امتصاص الأخطار الاجتماعية الناجمة من هذا. امتلأت لندن بالأحياء الفقيرة والقمامات والجهلاء ووصلت الجريمة أرقاما قياسية بفعل غياب الشغل.
4 – الرق: تخطر المثالية مرة أخرى بالبال عند تذكر حديث السيد الوزير عن الرق. المثالية هنا هي في محاولة علاج المشكلة بالقانون فقط (تجريم الرق) وليس بالرعاية الاجتماعية و دمج ضحايا الرق: أي بالفكر وليس بالواقع. وتعتقد أطروحة كهذه أن وضع نقطة تحت الحاء في قانون تحريم الرق المتوفر منذ عقود (منذ أيام المستعمر ثم منذ هيداله) هي كافية لتجاوز معاناة طبقة تتألم منذ بواكير الأيام الملعونة لقوافل الملح.
إنجلترا الليبرالية كانت أول دولة تسن قوانين مثالية من هذا النوع لمعالجة المشكلة. يعود أول قانون فعلي من هذا النوع إلى بداية القرن التاسع عشر 1807 (لم يكن قانون 1776 قانونا جديا). قانون 1807 حرم وجرم الاتجار بالعبيد وامتلاكهم، وتماما كالمشروع الموريتاني المزمع لم يتحدث عن برامج إدماج العبيد وضماناتهم اجتماعيا.( للسخرية قام القانون بتعويض ملاك العبيد وليس العبيد، ب200 مليون جنيه استرليني) وهكذا ألقي بزنوج ابريطانيا إلى شارع ليبرالي قاس: سقطوا عبيدا جددا لمصانع ومناجم الثورة الصناعية القاسية. رجع معظمهم -كبعض العبيد الموريتانيين في الستينيات وبعد دلك - إلى أسيادهم طالبين رحمة العبودية القديمة، وهربت الأكثرية عن التشرد والتشتت إلى العالم الجديد، أو ماتت مقاتلة في الصفوف الأمامية للجيش البريطاني: مأواها الوحيد. النتيجة النهاية: في أقل من قرن اختفى ثلاثة أرباع العبيد من إنجلترا.
-4-
تم استهلال العهد الليبرالي الجديد بحدثين ذوي قيمة رمزية عالية:1- مات موظف بسيط في مقر البرلمان في اليوم الذي قدم فيه الوزير الأول هنالك لإعلان برنامجه و2-انقطع التيار الكهربائي أثناء استطراده في خطابه. الفكرة: سيكون العهد الجديد كارثيا على المواطن البسيط وعلى الخدمات العامة. لقد أكد الوزير شيئا كهذا بتحرره من الالتزام بصرف اجتماعي من الميزانية وبتخفيضه فكرة دعم المواد الاستهلاكية.
آن الأوان لإنزال "بيان شيوعي" جديد يؤسس للنضال من أجل الحقوق الاجتماعية. "فلترتعد هذه "الغلادستونية" خوفا من صعود نضال كهذا "فليس لدى "نضال كهذا" ما يخشاه سوى أغلاله، وأمامه عالم واسع ليربحه".
يا "عمال العالم" اتحدوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























