محكمة العدل السامية….أية جدوائية ؟
كتبهاalhiwar ، في 20 يونيو 2007 الساعة: 02:02 ص
محفوظ ولد حدمين ابوه
لقد بات من شبه المحسوم مسبقا والوشيك وقوعا - حسب الظروف العادية - أن ترى محكمة العدل السامية النور خلال الأسابيع القادمة ، بعد أن تمت المصادقة على المشروع القانون القاضي بإنشائها في مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 13/06/07 ، وبما أن هذه الخطوة تعتبر المرحلة المقررة لمصير هذه المحكمة فلم يبقى على وجودها سوى التمرير عبر القناة البرلمانية وما تلك إلا خطوة إجرائية وأعراف مدمقرطة دأبنا على اقتفائها ، خاصة وان أصحاب هذه القناة - البرلمان - متشبثين بقول الشاعر: ناموا ولا تستيقظوا ***** مافاز إلا النومو
وان استيقظوا فلا هم يعرفون لأدوات النفي معنى بل كل تصرفاتهم إما التأكيد أو التعزيز أو المصادقة وذلك اضعف الإيمان.
إن الحديث عن المحكمة السامية في هذه الظرفية بالذات ليس من باب الرفض أو الاعتراض على إقامة أجهزة رقابية قضائية من هذا القبيل تضع العصا على رقبة كل من حاد عن الطريق التي رسمها لنفسه ، وإنما الحديث عنها نابع من نظرة واقعية تتخذ من المرودية والفاعلية موضوعا لها، فمحكمة العدل السامية هذه ما هي إحدى المؤسسات التي أقرها الدستور الموريتاني في بابه الثامن وتحت المادة 92 حيث نص على أن هذه المحكمة تتشكل من أعضاء منتخبين وبعدد متساو من الغرفتين البرلمانيتين ، وهى مختصة بالنظر في الجرائم التي يرتكبها الرئيس ‹ الخيانة العظمى › وأعضاء الحكومة أثناء تأديتهم لمهامهم، وبالنسبة للرئيس فإنه لا يمكن اتهامه إلا من طرف أعضاء الغرفتين اللتين تبتان بتصويت مطابق عن طريق الاقتراع العلني وبالأغلبية المطلقة لأعضائهما.هذه باختصار بعض المعطيات الأساسية عن هذه المحكمة وقد أدليت بها لتكون عملية التحليل واضحة للمتلقي.
الشيء الذي يجعلني لا أستبشر خيرا بمستقبل هذه المحكمة وفاعليتها هو طريقة تشكيلتها التي تخرجها من الإطار التقني للأجهزة القضائية حيث تتكون من أعضاء البرلمان الذين هم في نفس الوقت المتهٍمٌونَ ولن أطيل كثيرا في هذه النقطة لأنه سبق وان علقت عليها ،بيد أنه ما إن أتجاوزها حتى تستوقفني مسألة أكثر إثارة وهى طريقة رفع الدعوى أو التهم التي أوكل المشرع أمرها إلى أعضاء الغرفتين ويكون ذلك بالاقتراع العلني وبأغلبية الغرفتين ، فكلام كهذا يعتبر سخرية من الواقع وإبرازا واضحا لعملية استنساخ النص القانوني الذي لا يمت بصلة إلى الواقع الموريتاني ، فهل من المعقولية بمكان أن غرفا لم يسبق لهم وان رفضوا أي مشروع قانوني مقدم من طرف الحكومة باستطاعتهم التجاسر في يوم من الأيام على حرمة الحكومة ومقاضاتها أحرى رئيس الجمهورية ، ثم و إن افترضنا - وهو افتراض داحض – أن البرلمان جنَ وأقدم على خطوة مماثلة لا قدر الله، فإن كيفية تحديد الجرم ستقف حاجزا دون ذلك حيث تم التنصيص على أن رئيس الجمهورية لا يسأل عن أفعاله أثناء تأديته لمهامه إلا في حالة الخيانة العظمى وأمام تكييف هذه الجريمة يحار القاضي المتمرس أحرى البرلماني النائم ، فطبيعة هذه الجريمة غامضة لأنها لم يتم التنصيص عليها في أي نص قانوني ولم نعرف بعد ما المقصود بالخيانة العظمى هل التلاعب بالأموال العام ، أم بيع الموارد الوطنية ؟ أم هي مخالفة الأغلبية البرلمانية ؟
إن عدم تحديد المقصود بالخيانة العظمى يعتبر منفذا للتملص من القانون والحيلولة دون فعالية هذه المحكمة ،خاصة وأن مبدأ الشرعية يقضي بأنه ‹لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص › ، هذا فضلا عن كون قانون العقوبات الموريتاني لم ينص على هذا النوع من الجرائم ولا أحال إليه ، فعلى أي أساس سترفع الغرف البرلمانية التهم ، وبأي آلية ستكيف المحكمة هذه الجريمة ، فنحن لم نجد من إشارة إلى معالم هذه الجريمة سوى الذي ورد في الفقرة الثانية من المادة 93 من الدستور حيث أن الوزير الأول في حالة التآمر على امن الدولة يخضع لنفس الإجراءات التي تم التنصيص عليها في الفقرة الأولى من نفس المادة وهي المتعلقة بإلصاق التهم وكيف يتم ، عدى هذه الإشارة التي هي من طرف خفي - بالإضافة إلى اقتصارها على الوزير الأول وأعضاء الحكومة – لا توجد أي إشارة من شأنها أن توضح اختصاص محكمة العدل السامية.
من هذا المنطلق أرى عدم إلحاحية إن شاء محكمة كهذه وفي ظروف مالية صعبة كتلك التي تمر بها البلاد، خاصة وأنى على يقين بأن هذه المؤسسة القضائية ، أوعلي الأصح الفاضية لن تكون لها أية مرودية بناء على الأسباب المبينة آنفا ، فنحن لازلنا بلدا قضاؤه المحدد الاختصاصات والجرائم والعقوبات عاجز عن البت بعدل وبشكل دائم في القضايا المعروضة عليه فما بالك بجهاز قضائي غير متضح المعالم والاختصاصات ، ويهدف إلى النيل من المقدسات بواسطة من لا يستطيع رفض طلب لمن هو المتهم المفترض .
والله إنها لمهزلة وتلاعب بالقانون وأصحاب القانون ، ومناسبة لخلق أوجه إنفاق جديدة هناك من هو أحوج إليها ويكاد يموت جوعا وعطشا .
ألم يكفينا من زخرف القول وتنميق الشكل أما آن لنا أن نكون واقعيين ونترك التقليد الأعمى لدول بلغت من الرقى والازدهار ما بلغت ؟ أليس من الأجدى بحكومتنا الموقرة أن تأخذ المبالغ المخصص لتسيير هذه المحكمة وتنفقها في شكل إمدادات لرؤساء المجالس البلدية التي تعانى الفاقة والمسغبة في كل أنحاء البلاد ؟
محفوظ ولد حدمين ابوه/ طالب باحث بالمغرب- تدبير الشأن المحلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























