المبعدون عن أوطانهم والمبعدون فيها.
كتبهاalhiwar ، في 9 يوليو 2007 الساعة: 17:14 م
حنفي ولد دهاهكانت الخطوة الأخيرة التي أقدم عليها الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في خطابه الموجه لإخواننا اللاجئين في السنغال ومالي، رائعة.
فهؤلاء الموريتانيون المبعدون عن أوطانهم، الذين لم يجدوا يدا تربت على أكتافهم، منذ غادروا الأوطان والأهلين. ورمت بهم يد النوى قُذُفاً. وطوحت بهم الأيام غرباء في بلدان الجوار. هم أولى الناس بالاهتمام، في ظل استشرافنا لمستقبل الديمقراطية و المساواة. لاشك أن المواطن الموريتاني يتجرع منذ وصول السلطات الجديدة ما يتجرعه من مُر الحياة وعلقمها، فالأسعار تسابق الريح في ماراتون أبدي. والماء الشروب أصبح "أعز مفقود" فلم يعد طير الثماد يجد حَسواً من ثماده. والكهرباء التي هي شريان المدينة وعصب حياتها ألفت الانقطاع تماما كما ألف شعبنا المسكين خيبة الأمل.0. ولكننا رغم كل ذلك راتعون في فراديس الخلد مقارنة بأحوال أخواننا المبعدين لمالي والسنغال. ولذالك لا أشاطر بعض شوفينيي المنكب البرزخي رأيه في أن الرئيس إنما أراد أن يشغلنا بالخطابات السياسية، تماما كما تعود العقيد المخلوع أن يشغلنا بالاعتقالات السياسية، ذلك:
ان شعبنا المسكين أصبح اشغل من ذات النحيين بمساورة ظروف الحياة اليومية التي لا تفِر إلا لتكُرّ، فليس الرئيس بحاجة لأن يزيدهم وبالا وثبورا.
ثم ان المنصف من أبناء الوطن سيرى في الخطاب الأخير فرجة يتسلل منها خيط نور إلى عتمة مستقبل التعايش العرقي المجهول.
.. ما كان ينقص خطاب الرئيس هو عدم "اعتذاره" باسم بقية الشعب الموريتاني على ما حاق بالأخوة الزنوج من فظائع. فالمواساة غيرُ الاعتذار. وما كان على أول رئيس مدني "منتخب" أن يجد في نفسه غضاضة من ممارسة هذا الأسلوب المتحضر في تجاوز أخطاء الماضي.
.. إنه لم يرفض عمليا كما رفض بوش أن يعتذر للأفارقة ضحايا الاسترقاق، ولا كما رفض سركوزي الاعتذار عن الاستعمار، ولكن جمل خطابه التي ظلت تزّاور يمنة ويسرة حتى لا تقع في مطب "الاعتذار" تجعلها كناية أبلغ من تصريح بوش وساركوزي.
ربما.. لست أدري!. هنالك من مستشاري ولد الشيخ عبد الله الأُلى خلّفهم الرئيس اعل ولد محمد فال بعده في القصر الرمادي، وجلّهم من غلاة القوميين العرب، من اعتبر في ذلك مبالغة في "الأخذ بخواطر" هؤلاء "الزنوج الغرابيب". ويبدو ان الرئيس الجديد الذي"إذا قِيد مُستَكرَهاً أَصحَب"، لم يجد مَندُوحة دون الامتثال لنصيحتهم "النصوح".
ومهما يكن، فرغم أهمية "الاعتذار" فإنه ليس سوى أسلوب متحضر تطيب به نفس المجني عليه.. فقد يتمادى المُعتذِر في غيه. كما قد يكون الاعتذار العملي أبلغ في جبر الكسر ورد المظالم. وهو ما نتمناه. فالعبرة بالسرائر وليس بالظواهر.
أما أخوف ما أخافه، وقد بدت تلوح منه بوادر ونُذُر، فهو أن تتنازع المنظمات المدنية والسياسية التي تدّعي تمثيل "المبعدين" فتفشل وتذهب ريحها، ويضرب كلٌّ منهم في مَنزَع مُغاير، لتأخذ السلطات مبادرة حل المشكلة وفق رُؤاها وتصوراتها التي قد لا ترضي كل الأطراف، فيزداد الطين بِلّة. وندور مرة أخرى في ذات الحلقة المفرغة.
ينبغي أن ننطلق في تعاملنا مع ملف الأخوة الزنوج من مبدأ "حق المواطنة" وكرامة الإنسان وتكافؤ البشر. وأن ننزع من عقولنا أوهام الأفضلية بالجنس والعرق. وأن لا نجعل من التحجج بـ"الخوف من أن يستغلها أجانب للاختلاط برعايانا المبعدين" حقا يُراد به باطل.
أولاً، لأنه لا فردوس ينتظر الأجانب على هذه الأرض، التي يستنسر فيها الشرطي على القريب فكيف بالغريب، وينظر فيها المواطن الأبيض إلى أخيه الأسود بالاحتقار والدونية. وتقف فيها "العدالة" دائما جنب القوي. ويصبح فيها "فقع القاع" هشيما تذروه رياح العنصرية والعصبية والعزة بالإثم.
إذا كانت موريتانيا أرضا يضيع فيها حق المواطن الضعيف ويَشظَفَ عيشه، فما حاجة الأجنبي اليها.
وهل هناك من يقتنع أن في السنغال من يدفعه مرض عصبي لأن يجلد ذاته باستبدال جنسيته بجنسية موريتانية. حتى يتقاسم معنا فطائر الحرمان وشطائر اليأس وعصائد غلاء المعيشة؟!
.. فقط، إنهم مواطنون غادروا أوطانهم كرهاً. وسامهم "ذوو القربى" كل ضيم وخسف، فليس بمستساغ أن يتم التسويف في رفع معاناتهم، بحجة أن هنالك ما هو أولى: توفير الماء والكهرباء لمواطني البيظان.
*****
يبدو أن الرئيس الجديد مؤمن بـ"اشتدي الكربةُ تنفرجي". تماما كإيمانه أننا شعب يحب المظاهر الكاذبة وينخدع بها. فيمكن لأطفالنا أن يناموا ملء عيونهم، رغم سَورة الجوع، فقط لأن الرئيس صلّى جمعته في المسجد العتيق، وتبرع بجزء من راتبه لخزينة الدولة، وأتصل بهاتفه على نشطاء "افلام".هنالك من يؤمن أن علاج الجوع بالتعود عليه، لأنه شهوة كاذبة –حسب التعبير الصوفي-0 وهناك من يرى أن التربية على مساورة الخطوب وقتل الروح المدنية التي تهفو للرفاه، قد تجعل منا مواطنين أشداء غلاظ القلوب يقتحمون صعاب الحياة برباطة جأش.. وهي طرق أتبعتها السلطات الحالية لمعالجة جوعنا الذي لم يشبعه النفط ولا السمك قبله. لنبتلع بها أقراصا نُقش عليها "إن الله مع الصابرين "..أقراصا منومة، لا ننفك ان نستيقظ منها على واقع مرير:
الأسعار ترتفع في لعبة قدرية.. وضرورات الحياة متعسرة أو متعذرة. والوزير الأول يمنح أولى صفقاته لأصهاره، وأولى صفعاته للمواطن البائس.. وتهُب من التعيينات رائحة الانتقام والمكافئة. ومِخرز تسوية الحسابات يغوص في جسد "الترارزة" لتُقابل جهويتُها بجهوية مضادة. رغم أن الرئيس هو من شنف أسماعنا أيام كان مرشحا بـ"أن الوحدة الوطنية لا تقتصر في مشروعه على وحدة الأعراق. وإنما وحدة المناطق والجهات أيضا".
أين هو التغيير؟ حين يعود امبراطور "اسنيم" المعروف بتوجهه الليبرالي المتوحش، ليكتم أنفاس المستنيرين بقبس الكهرباء الخافت.
هل يعتبر من إصلاح "الشركة الموريتانية للكهرباء" أن يقطع النور عن كل ضعيف تراكمت على كاهله ديون "الكهرباء" تراكمَ الهموم اليومية على قلوب ربات الأسر، وأن لا يرجع له النور ما لم يدفع دم سويدائه للخزينة العامة.
أما كان الأولى، أن ينظر لهمّ المواطن بعين الاعتبار، وأن لا يقاس "نجاح المهمة" بما يعود للخزينة "الحانوت" من جيب المواطن البائس وإنما بما يتم توفيره له من رخاء ورفاه.
وهل من التغيير أن يعود المفسدون إلى المأدُبَة؟ وأن يتم إقصاء المعارضة من التعيينات؟ وأن يظل بيجل ولد هميت صقرا مجلحا على إدارة التأمين الصحي؟ ولمرابط والشيخ العافية وولد بوبكر جالسين أمام المدفأة، لا تنحل حبوَتُهم في انتظار العودة إلى جفنة عبد الله ابن جدعان.
وعندما يتم حل مفوضية الدمج، فيقف عمالها طوابير، يتلمسون مستقبلهم في المجهول. يتم تعيين مفوضها المساعد وحده محافظا مساعدا للبنك المركزي.. ربما لأنه أبن عم الرئيس. فلا كفاءات لديه تبوأه الأولوية، سوى أنه لم تخلُ من اسمه لائحة لرموز الفساد. ضمن اللوائح التي تم إعدادها من لدن المعارضة الرديكالية.
وهل من التغيير أن تتم إقالة مدير الإذاعة الوطنية دون إخطاره رسميا، فيتلقى النبأ كغيره من وسائل الإعلام.. معاقبة له على "الانفتاح المحتشم" في الوسلية السمعية التي يُدريها.
وهل من التغيير أن يظل مقص الرقيب يقص رقبة حرية التعبير.. رقيب الـ HAPA والمحكمة الجنائية، وسياسية حجب المعلومات عن الصحفي، والتسويف في الترخيص للمرئي والمسموع.؟!
وهل من التغيير أن تُعار الأذن الصماء لأصوات المعارضة المطالبة بالتحقيق في ما أثاره الكاتب الأميركي سيمور هيرش من وجود معتقلات أمريكية سرية على أرض "المنارة والرباط".
إذا كان هذا هو التغيير الذي ألححنا في طلبه أيام كان الرئيس ضيفا عزيزا لدى حكومة النيجر، فدفعنا ثمنه سجنا وتهميشا وقمعا ومطاردة، فإننا سنهفو للماضي، وسنرضى برمضاء الاستقرار بدلَ نار التغيير، وسنطلب من الله "العودة إلى السيد ذي الشهاب الواحد".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























