جريدة الحوار


اقرء في جريدة الحوار اليوم

كسرى والموبذان

كتبهاalhiwar ، في 9 يوليو 2007 الساعة: 17:19 م

ابوالعباس ولد ابرهام

منذ قرابة نصف قرن، وتحديدا في عام 1959، تعرف الموريتانيون لأول مرة على كلمة "الوزير الأول" من خلال رئيس حكومة الاستقلال الذاتي المنتخبة من الجمعية الوطنية والتابعة للجمهورية الفرنسية الرابعة. كان اسم هذا الوزير: المختار ولد داداه، وكان يحمل أجندة مختلفة تماما عن تلك التي لدى رئيس الدولة، الجنرال ديغول، فيما يتعلق  بمستقبله ومستقبل البلاد، .باختصار كان "الوزير" في صراع مع الرئيس.. بقية القصة معروفة.
اليوم، وبعد قرابة خمسين عاما، ها نحن أمام حكومة يحمل وزيرها الأول أجندة مختلفة عن أجندة رئيسها، ويفكر كلاهما بشكل مختلف عن الآخر فيما يتعلق بمستقبل وحاضر البلاد.  حالة صراع جديدة بمناسبة اليوبيل الفضي لأول حكومة ائتلافية على هذه الأرض (مايو 1957)، أعاد الوزير والرئيس مفهوم الحكومة إلى معناه الأول عند الموريتانيين.
 -
 
الأصل في علاقة الوزير والرئيس هو الصراع، هكذا يقول التاريخ. يعود مفهوم "الوزير" إلى البيروقراطية الفارسية. ومرت هنالك لحظات من التاريخ الساساني كان الوزير فيها قوة في مواجهة الملك. وكان يتحول من موبذان بسيط إلى مجالد حقيقي على السلطة. وكان الصراع أحيانا، لا ينتهي إلا بغياب أحد أطرافه.
في العالم الإسلامي عاش الجميع القصة  مع الاستنساخ الذي أحدثته الدولة العباسية للبيروقراطية الفارسية؛ ومنذ نكبة البرامكة ومحاكمة الإفشين إلى النهاية  والمشهد الداخلي للدول الإسلامية منطبع بصراعات الخليفة والوزير، الأتابك والشاه، الباب العالي والسلطان، الخديوي والخليفة..
مهلا.. .إنني لا أحكي عليكم قصصا من الماضي؛ نسبة كبيرة من الصراعات السياسية في العالم اليوم هي صراعات الوزير والرئيس. ويكفي النظر إلى المناطق الأكثر احتداما للتيقن من هذا: لبنان، فلسطين، ساحل العاج، رومانيا، أوكرانيا، وبشكل أقل ظهورا ولكن ليس أقل وضوحا، تركيا، السودان، والعراق.
 
على مدى خمسين عاما غابت حقيقة كهذه من السياسة الموريتانية. وباستثناء رئيس الوزراء الحرون ولد بوسيف 1979 (الذي لم يصارع في الحقيقة رئيسا رسميا) فإن جميع رؤساء الوزراء الموريتانيين حافظوا على ابتسامة الطاعة وعلى العنق المسدول. وكانت علاقاتهم مع الرئيس أقرب إلى علاقة الشيخ بالمريد. وحتى عندما كانوا يفكرون سرا في أن رئيس الدولة لا يعجبهم (كرئيس الوزراء معاوية ولد سيد أحمد الطايع 1983) فإنهم لم يحولوا هذه المشاعر إلى المشهد السياسي مطلقا. بفضل هؤلاء ظل المشهد السياسي الموريتاني مشهدا عموديا بامتياز.
تشكل علاقة سيدي ولد الشيخ عبد الله والزين ولد زيدان خرقا لتاريخ موريتاني عريق في هذا المجال. لقد أعادا إحياء تفاصيل العلاقة البنيوية ما بين الرئيس والوزير كما كانت منذ العصر العباسي وكما هي اليوم في مناطق الاحتدام السياسي.. مبروك: هذا هو أول تغيير حقيقي لتقاليد الحكم السائدة.
 
                    -3-
 
هنالك ثلاثة نقاط أساسية لتحسس تفاصيل صراع الرئيس والوزير في بلادنا:
1-    طبيعة المجموعات: يرمز كل من الرئيس ورئيس وزرائه إلى مجموعة سياسية بعينها. ولقد أصبحت هذه الرمزية مهمة جدا في الاعتماد السياسي بالنظر إلى التعيينات الأخيرة.
يرمز الرئيس هنا  إلى عموم قوى المحافظة، عمود النظام السابق، رغم تطميناته الدؤوبة للقوى السياسية كلها، ورغم أنه يفضل تجديد النظام بصفوفه الخلفية على حساب الأمامية، ورغم أنه يدخل في صراعات مع رموز هذا النظام على ضوء هذا التجديد (وإن كان لا يستبعدهم عموما في حظاياه السياسية، وخصوصا في تعيينات ما سوى الحكومة).
في المقابل يعبر رئيس الوزراء عن مجموعة أكثر تناغما، وهي تحديدا برجوازية الجنوب الشرقي للبلاد، المتحالفة مع متنفذي ومتذمري النظام السابق من أٌقرباء الرئيس المخلوع ومن رجال أعمال وسياسيين مهمشين بفعل انقلاب 3 أغسطس. إن لهذه المجموعة حضورا ملحوظا كما بينت انتخابات مارس 2007، في أوساط الشباب وفي أطار، انواذيبو، وانواكشوط.
 الصراع: يعمل كل من الرئيس ورئيس الحكومة حاميا لمجموعته ومسؤولا عن إدراجها في السلم السياسي والعمل الإداري. وبما أن المجموعتين هما كل ما يُعين هذه الأيام فإن كلا منهما تنظر للأخرى عائقا أمام تقدمها أو مستأثرة بحصتها. وهو ما يجعل الصراع واضحا ومستترا في نقد الأولين لرئيس الوزراء ونقد الآخرين لرئيس الدولة.
في الأسبوع الماضي وقبله وصل الصراع إلى درجة أن رئيس الدولة أعاد مسؤولا (من مجموعته) أقاله رئيس الوزراء من مسؤوليته، وإلى أن رئيس الوزراء -الذي هو قانونيا مسير سياسة  رئيس الدولة- رفض الدفاع عن إقالة قام بها رئيس الدولة لأحد وزرائه، واكتفى (لدى سؤاله من قبل قناة عربية) بتبرئه من المسؤولية وتحميلها الرئيس بقوله إن الأمر يدخل في إطار السلطة التقديرية لرئيس الدولة.
2- التعيينات: الانطباع السائد عن خطة رئيس الوزراء هو أنه ينوي تخصيص هذه المرحلة سُلما للوصول إلى سدة الحكم في الفترة القادمة. وهو يكتفي هنا بتنقيط السلم الإداري والحكومي برموز مجموعته إضافة إلى محاباتهم بالصفقات الحكومية ( حالة سورسي فوياج مثلا) في الطريق نحو التمتع بمجموعة متنفذة لا يمكن استهدافها مستقبلا لأنها مجموعة، ويمكنها لعب دور استقطابي لصالح السيد الوزير في حالة ما إذا استقال وأراد الوصول للحكم بطرق انتخابية. عملية صنع مراكز نفوذ باختصار.
ما يهمنا هنا هو أن قصة التعيينات هي جانب كبير من خطة استراتيجية لدى الوزير الأول، وهي تدخل في قصة المواجهة مع الرئيس. ويدخل هو والرئيس في أخذ و رد عند اقتراح الأسماء عند كل موجة تعيينات. ويستاء الرئيس عند ملاحظته أن وزيره أعطى حصة الأسد من تعيينات الأمناء العامون للوزارات لمجموعته. إن سبب هذا الغضب ليس لأن هؤلاء ناشطون في النظام السابق كما أشيع؛ ليس كذلك لأن الرئيس نفسه سيقوم بعد ذلك بتعيين ناشطين، بل رموز النظام السابق وفي مناصب أكثر أهمية وأكثررمزية (تعيينات السلك الدبلوماسي والإدارات، يونيو المنقضي).لا يمكننا هنا إلا قراءة الغضب المذكور في قصة صراع المجموعات، بمعنى أنه رئيس غضب لمجموعته التي كاد يقصيها الوزير الأول من تعيينات الأمناء العامون.
 
3-السياسة: لم تتكشف إلى حد الآن تفاصيل خلافات الرئيس والوزير فيما يخص سياسة الدولة لسببين: 1-عدم تكشف هذه السياسة أصلا. و2-العائق الدستوري (إذ الوزير مجرد منفذ لسياسات الرئيس). نحن نعرف –رغم هذا- أن رئيس الوزراء يحمل آراء مغايرة لآراء رئيسه فيما يخص ترخيص حزب إسلامي وفيما يخص العلاقة مع إسرائيل، والعلاقة مع العسكريين ونبش ملفات الفساد، وفيما يخص الإقالات والنظرة للجسم الإداري للدولة…
هل ستظهر خلافات كهذه على سياسة الدولة بحيث تعاق السياسة نفسها بفعل الآراء المختلفة كما حدث في أولى تمظهرات الصراع ما بين الرجلين عندما تم تأجيل خطاب الوزير الأول آخر الشهر الماضي؟ أجيبيني أيتها الأيام. 
                    -4-
هنالك ثلاثة سيناريوهات لحسم الصراع القائم:
1-    أن يواصل رئيس الوزراء سياسة تعزيز مجموعته، ويجعل منها نواة قوة سياسية تحاول الانفتاح على المعارضة والموالاة وتقدم نفسها قوة جمع للكل. ثم في مرحلة لاحقة يستغل إحدى لحظات الخلاف القوية لمغادرة السلطة، وقضاء الوقت المتبقي إلى الانتخابات في نقد السلطة وتبيان تهافتها-وهو الخبير عندئذ في ملفاتها- قبل أن يترشح للانتخابات داعيا قوى المحافظة بإغراءات مجموعته المتنفذة في السلطة، وداعيا قوى التغيير بإغراءات خطابه النقدي (الجديد) واستقالته.
2-    أن الرئيس –الذي بدأ البعض بالهمس أنه لم يعد يستبعد ترشحه للسلطة مرة أخرى- بدأ بالدخول جديا في قصة تكوين المجموعات، وهو بصدد إنشاء حزب سياسي سيدمج فيه كافة القوى، وأن تعييناته الأخيرة تدخل في هذا التوجه، وأنه الآن في طور لقاء قوى سياسية مهمة محسوبة على مجموعة الوزير الأول (ولكنها متذمرة من عدم التفاته إليها)، وأنه سيدرجها في حزبه الجديد شرطا للحفاظ على امتيازاتها. وهكذا يُسقط قوة رئيس الوزراء قبل إسقاطه، وأنه لن يتنظر استقالته بل سيقيله قبل السنة المالية القادمة بحجة عدم فعالية الحكومة. وهكذا يتحرر من إكراهات حكومة الائتلاف ويجرد الوزير الحرون من أسلحته في الصراع.
3-     أن يتحول الصراع إلى تعاون بإرساء نظام جديد يوحد فيه الرئيس والوزير مجموعات النظام السابق بما فيها الذين هاجروا إلى المعارضة أيام عدم اليقين في الانتخابات، ومعها المستعدون –وهم كثر كما يبدو- من المعارضة، وطبعا معها مهاجرو المعارضة إلى الموالاة (تيار أحزاب الوحدة مثلا). إن هذا النظام هو متنفس الرئيس للخروج من قفص الفردانية والانعزال وضغوط المجموعات، وهو ملجأه لإحقاق طموحاته السياسية والقبض أكثر على زمام الأمور وتوحيد جبهته الداخلية.
ولكن يبقى السؤال: ما هي طبيعة الاتفاقات بين الوزير والرئيس التي ستنشئ هذا النظام؟ هل سيضمن الرئيس لوزيره دعمه في المرحلة القادمة؟ أم أن إنشاء النظام سيكون بلا شروط لأنه يصب في مصلحة الرجلين؟ وإذا حدث أن تم إرساء نظام كهذا هل سننتقل من حرب مجموعات بين الرجلين إلى حرب على المجموعة، من صراع مجموعتين إلى صراع داخل مجموعة واحدة؟
بخصوص النقطة الأخيرة لاحظ داروين أن الصراع لا يزول أبدا ولكنه يتطور: يتغير من شكل إلى شكل مختلف.
 
                    -5-
 
بمناسبة يوبيل على صرع الصراع (نهايته) عاد الصراع. أنهي الصراع حينئذ بكارزمية أبي الإمة، و بامتصاص قوى الرفض في الحكومة الأولى ( حزب النهضة). وهو يهدد هذه المرة، في غياب مصارع يصرعه، بصرعنا كلنا؛ بالإتيان على حساب القضايا الوطنية واليومية.
لقد عاد الصراع
يجب صرع الصراع.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

تابع الخبر والتحليل في يومية الحوار