جريدة الحوار


اقرء في جريدة الحوار اليوم

موريتانيا: كي لا يصبح الحلم كابوسا!

كتبهاalhiwar ، في 9 يوليو 2007 الساعة: 17:22 م

عبدالله حرمة الله

" المرحلة الراهنة تقتضي التحالف الوطني بين أوسع القوى بناءا على برنامج وطني واستبعاد التناقضات التانوية… أحلم؟ يمكن أن تقولوا إنه الحلم..كثيرا ما غيرت الأحلام الواقع خاصة إذا كان الحالمون رجالا أقوياء."

عبد الرحمن منيف.في ظل الإجماع الوطني على حياد شفافية الإقتراع النيابي والبلدي, و الرئاسي, رسم فرز الصناديق البلاستيكية هذه

المرة ملامح طيف سياسي لم يتوقعه أبدا أكثر المحللين تفاؤلا لمستقبل احتراف العمل السياسي الديمقراطي في موريتانيا.

وإن غاب دور الشارع وحلقات التنديد بصفة مباشرة عن تجسيد التغيير الذي عرفت البلاد, فإن الواقع الإجتماعي بالمفهوم الآلي أحكم قبضته على عملية التجديد "الخجولة" لما عرف بالطبقة السياسية.

بغض النظر عن أوهام "الشرعية" النضالية والتغيير البنيوي في آليات رجال الحكم, ينبغي من الآن فصاعدا التعايش ولردح من الزمن مع حتميات فسحتنا الأولى, والحذر المتريث من متغيراتها التي أدخلت للبرلمان أخطرها وأسهلها اشتعالا!

مع ذلك تبقى أهمية الحدث: أول جمعية وطنية انتخبت بطريقة شفافة, أول رئيس منتخب إثر شوط ثاني.

كان من المفترض أن تكتمل المرحلة الإنتقالية التي عاشتها موريتانيا بطي صفحة الماضي, والشروع في توطيد الأسس

الحقيقية لحياة ديموقراطية, بصفة هادئة, لكن التجربة الحديثة, والتشكلة  المعقدة للتركبة السوسيولوجية للمجتمع الموريتاني, والخوف المبالغ فيه من المعارضة التاريخية من  طرف الإنتليجانسيا الحاكمة, جعل الأمور تأخذ اتجاها آخر, ولو أنه وفق في جلب إجماع وطني من طرف القوى النافذة على مستوى البلد.

مع أن العربدة التي ميزت ما بعد المرحلة الإنتقالية, تثير أكثر من سؤال حيال مستقبل التعايش الديموقراطي في البلاد, خصوصا بعد ما تأكد لأكثر من مراقب, أن رأس الجهاز التنفيذي يبدوا مصرا على, دفع الوزير الأول إلى تحمل مسؤولياته, أمام المؤسسات الدستورية أولا, والرأي العام الوطني ثانيا, من خلال رسالة التكليف التي سلمها رئيس الجمهورية لوزيره الأول, والتي حوت الخطوط العريضة للبرنامج الإنتخابي الذي تعهد به الرئيس الجديد, خصوصا أنها تعتبر سابقة في التاريخ السياسي للبلد, قد تقر تقاسما حقيقيا للسلطة التنفيذية التي اعتبرتها مختلف الدساتير الموريتانية منذ الإستقلال, حكرا على رئيس الجمهورية, الذي تعود تكليف وزيره الأول, دون إعطاء هذا التكليف, بعدا إجرائيا يمكن الإحتكام إليه.

لفك طلاسم هذا التحول الموريتاني, بإيجابياته, وسلبياته, ينبغي العودة إلى "الأيام التفكيرية" التي طبعت بداية المرحلة الإنتقالية, كذلك الدور الجديد لمعارضة نقشت برامجها الساسية على جدران زنزانات النظام السابق, ومن المفترض أن تساهم على غرار الديموقراطيات العريقة في تسيير الحياة السياسية للبلد؟

إضافة إلى الدور المحوري الذي لعبت المؤسسة العسكرية بموريتانيا على مر التاريخ بوصفها الجهاز الوحيد القادر على تغيير مجريات الأمور بحكم تنظيمها, من ناحية, وسيطرتها على مقاليد الأمور من ناحية أخرى, كذلك الدور الجديد الذي ينبغي أن تلعبه كمؤسسة جمهورية, تسهر إضافة إلى دورها التقليدي, على انضباط السير الفعلى للمؤسسات الديموقراطية الوليدة؟

الأحزاب: حماس تأخر عن وقته!  

صحيح أن الأيام التشاورية في حد ذاتها تعتبر حدثا تأريخيا للقطيعة مع طريقة التعامل مع الشأن العام من الناحية النظرية- على الأقل- إذ كان سيد الموقف في عكاظ موريتانيا السياسي, متمثلا في موازين القوى بين السلطات الإنتقالية من جهة والأحزاب السياسية من جهة أخرى.

لكن هوس المقعد الدائر أعمى هذه الأخيرة عن تفاصيل ورقة الطريق قبل أن تأخذ شكلها النهائي وبإقرار من الجميع.

فقضية الترشحات المستقلة مثلا, بغض النظر عن شرعيتها الدستورية, مرت برتابة لم تستدع من ممثلي الأحزاب نفس الحماس الذي جابهوها به أياما قبل انفتاح الحملة الإنتخابية, كذلك "ملحقات" القانون الإنتخابي من اتفاقات سياسية محتملة بين الأحزاب والإدارة بخصوص بعض الأمور المسكوت عنها أثناء الإقتراع…

حتى التجاوزات التي أثارت الأحزاب محقة في الشوط الثاني من الإنتخابات التشريعية والبلدية, لا يمكن الإعتداد بها لأن ممثليها وقعوا طوعا كل المحاضر.

إذا من حقنا أن نتساءل إن كان" تدجين" هذه التشكيلات طيلة العقد الماضي قد حولها إلى مجرد هياكل للتنديد "البياني" يصعب عليها الدخول من الباب الواسع في حلبة مفتوحة؟

حتى الحملة الإنتخابية التي كانت اختبارا لمدى قدرة الطبقة السياسية على بسط التعبئة خارج حدود وسطهم الأسري, أثبتت غياب أي مجهود للتفكير في الهموم الحقيقية للمواطن وتقديم مقترحات عملية تمكن من بلوغه الرفاه المادي والأخلاقي!

إذ بدت البرامج متشابهة من خلال وصف دقيق في بعض الأحيان للواقع المزري, لاجئين إلى يافطة التغيير الفضفاضة, دون أبسط تميز من ناحية الإجراءات العملية  للخروج بالموريتاني من حظيرة الغبن.

ولو أن الأحزاب على غرار مختلف التجمعات الوطنية قد عبثت بها هي الأخرى يد مخابرات الطائع, التي تمكنت من بلقنتها كي تبقى بمنأى عن ديناميكية التنظير, كمكسب يثري الممارسة السياسية الحقة.

حيث يبدوا فشل, الطبقة السياسية من خلال عجزها عن فرض المشاركة الفعلية في تسيير المرحلة الأنتقالية, خصوصا الحكومة التي أشرفت على مختلف مراحل المسلسل الإنتخابي, الذي مهد للتحول الديموقراطي.

لكن موقفها القاضي بالإعتراف بنتائج الإنتخابات الرئاسية التي توجت الفترة الإنتقالية, وتهنئتها للرئيس المنتخب, مع عرض المشاركة من خلال مشروع تصالح وطني, ينم عن مدى استيعابها لحتميات التحول الجديد, الذي يفرض عليها المشاركة الفعلية من خلال نقد صارم ومسؤول لطريقة تسيير الشأن العام.

لكن في خطوة لاحقة, بعد استراتيجية مد العون هذه, ينبغي أن تنظم صفوفها من خلال مؤتمر وطني, لصياغة اعلان للمبادئ, يلزم كل الفرقاء السياسيين, من موالاة ومعارضة, تحدد فيه الخطوط الحمراء للممارسة السياسية, حتى تتمكن من تطهير الحقل السياسي من كل المتطفلين عليه, من مخبرين وسماسرة, كان النظام السابق قد أوكل إليهم مهمة اختراق المعارضة الديموقراطية.

من اللازم كذلك لممثلي المعارضة في غرفتي البرلمان والمجالس البلدية, مراقبة العمل الحكومي عن قرب, والنتديد بكل انزلاق محتمل, والشروع الميداني في خلق نواة عمل تشريعي, يحس من خلاله المواطن العادي بأنها لم تعد ذلك الشبح المتآمر على أمن الدولة,- كما وصفتها الأنظمة السابقة- وبأنها قادرة على تبني همومه الحقيقية والدفاع عنها.

 

عندما ينظر الدين للهاوية        

 

من ضمن مفاجئات المسلسل الإنتخابي الذي ميز المرحلة الإنتقالية التي تعيشها موريتانيا كسابقة في تاريخها السياسي هو "نضج" المشهد القبلي, ضامرا كل تناقضاته في تنسيق نفعي يدعي منعشوه الإحتماء بمظلة الإسلام, رغم تطبيلهم لوسطية لاتتعدى حدود مغازلة دميمة لرأي عام, ما زال يعتبر جهلا مرجعية التقدم الحضاري خروجا, يستدعي توبة.

جديد "الطيف" السياسي هذا الذي أفرزه قمع نظام ولد الطايع إلى الوجود كانت البلاد في غنا عنه.

الآن وقد دخل البرلمان, وسيطر على بلدية تفرغ زينة, التي تحوي كل السفارات الأجنبية وبعض المرافق الحيوية للإقتصاد الوطني, ينبغي محاولة فهم الأسباب المباشرة التي أدت به إلى هذا التموقع المقلق, وكذلك خلفية هذه الطفرة من خلال عودة إلى أهم الأسباب التي جعلت منظري القياس المقتبس, قادرين على إبداء رأيهم في أشياء معقدة ومهمة في الوقت ذاته, كتوازنات المالية, والسياسات التربوية, واسترتيجيات الديبلوماسية, إضافة إلى السياسات الثقافية للبلد!

صحيح أن كل الدساتير التي عرفتها الجمهورية الإسلامية الموريتانية, تعتبر الإسلام دين الشعب والدولة, وحتى مصدر القانون الأول. لكن هذه التسمية تعود إلى مؤتمر ألاك1958, حيث كانت الطبقة السياسية الموريتانية في صدد وضع اللمسات الأخيرة على مشروع الإستقلال مع وفد فرنسي برئاسة ميشل دبري الأب, والذي تدخل بعد أن احتدم الصراع بين النخبتين العربية والإفريقية بخصوص هوية الدولة الحديثة: هل هي عربية أم افريقية؟ ليتدخل "المنقذ" الفرنسي مقترحا كحل وسط بين الأطراف المختلفة, أن تكون جمهورية إسلامية, بحكم اعتناق الجميع لهذا الدين!

هكذا ولدت الدولة الموريتانية دون أن تحسم نخبتها التي ورثت الإستقلال عن الفرنسيين, مسألة هويتها, لينعكس الأمر على تسيير الدولة الحديثة على مستويات عدة, من أبرزها مسألة الدين, الذي هو دين الشعب وبالتالي لاينبغي احتكاره من أي طرف سياسي. كذلك حضوره بصفة دائمة في التسيير المباشر لمختلف أمور الحياة العامة, حيث يمكن تحديد الأسباب الحقيقية لهذا الإستغلال من خلال المظاهر التي أخذت على طيلة حياة الدولة الموريتانية:

*دولة الدين: بحكم التعنت الإديولوجي السابق, ينضاف حرص السلطات آنذاك على إقناع القبائل الرحل بالإندماج في مشروع الدولة المركزية, لذا كانت سلطة الدين أكثر الآليات فعالية في إقناعهم بالتخلي عن الأحلاف القبلية التي كانت تدين كل حسب مصلحته لإمارة توفر له الحماية وتضمن له سلما هشا! لتعتمد أجهزة الدولة سياسة" التبرير الشرعي" لمشاريعها التي تحتاج إلى تبني هذه القبائل لها, حتى تقطع الطريق أمام أطماع الجيران المصممين على ضم موريتانيا.

عمدت مختلف الوزارات والإدارات العمومية إلى "تشريع" كل خطوة تقوم بها, لينشط عمل رجالات البدو الحديثي العهد بالمدن, والذين يطلب منهم إبراز الجوانب الدينية, حتى إن لم توجد, الكفيلة بضمان تقبل ملاك القطيع بأنهم معنيون بما تخطط له السلطة المركزية, وبأنها لاتعدوا كونها امتدادا أكثر عدلا لما كان في الأمس القريب صاحب الحل والعقد في حياتهم اليومية. لتتعدد الهيئات الإستشارية, القادرة وبسرعة فائقة على إقناع من يكون بأن "أزهار الشر" ترجمة محققة" لدليل الخيرات".

ولا تخلوا الحياة العامة في موريتانيا من أمثلة حية على هذه المغامرات "الروحية", إذ أجمع موظفو وزارة الداخلية من أئمة ومفتين في مطلع السبعينات على أن حرب الصحراء التي خاضتها موريتانيا ضد الجزائر وجبهة البويلزاريو كانت جهادا, يحرم التقاعس عنه تماما كحروب الردة.

وفي تاريخ أقرب أسقطت نفس المجالس حد الحرابة على كل مظاهر رفض اليسار الوطني, على المستوى الطلابي والنقابي لتذهب أبعد من ذلك في تبرير" التطبيع" من خلال الأحاديث والروايات التي تعودت استنطاقها لمثل هذه المناسبات.    

*مدارس دين الدولة: ساهمت المدارس القرءانية بموريتانيا إلى حد كبير في تغدية الجهاز الإداري بنخب حفظت القرءان وتفننت في رسمه واحتقان إلاكة التأويل اليثربي له, بإلغاء آلي للمرجعية التاريخية, التي يفترض أنها واكبت, امتهانهم للسياسة التي عجزت جهلا من غير العبادة عن تجاوز تراتيل طاعة "الأمير", الضابط ل"خراج" يملي نسق مداد الألواح الظامئة لرفاه الحضارة.

حيث بقيت كدلك هذه المدارس سابحة في فلك العشائر, مفتوحة لكل من هب ودب دون أبسط وصاية, حتى تتناسق مواد تدريسها مع النظام التربوي المعتمد في المدارس الحديثة. مع ذلك اكتتبت قطاعات عدة بعض خريجها كالقضاء, الجيش, التعليم… أخطر من ذلك ما زالت أبوابها مفتوحة لإرهابيي المنطقتين الإفريقية والعربية المطاردين من بلدانهم الأصلية…

*تصدير الجهاد

إن بلاد الملثمين , كآخر محطة للفتوحات الإسلامية, تعتبر حديثة العهد بخطاب الجهاد: منهجا وعقيدة.        

كما أن المنظمات الخيرية التي تنشط في البلد منذ الإستقلال لعبت دورا كبيرا في إثراء "النقاش" داخل ورشة الجهاد, مما جعل     موريتانيا تنجب أجيالا متعاقبة من المجاهدين, شاركوا في حربي الخليج الأولى والثانية, كذلك المقاومة في لبنان وفلسطين.                  

وفي عهد قريب, البسنة, ثم الشيشان, وأخيرا أفغانستان..           

إذ ورد في نشرة سرية للمخابرات الفرنسية, نشرتها جريدة "لموند", سنة 2001, أن المحاظر الموريتانية, مسؤولة بدرجة أولى عن التكوين الإديولوجي لغالبية إسلاميي فرنسا الداعين للجهاد.   

فبعد ظهور أبي حفص الشنقيطي على شاشة الجزيرة, واحتلال المهندس ولد صلاحي المرتبة الخامسة على اللائحة المقدمة من    طرف بوش؛ ظهر تجاوب من طرف الرأي العام الموريتاني مع أسامة بن لادن, بنفس الطريقة التي تضامنوا بها مع صدام!                            

هكذا تداخل المال والعواطف, جاعلا من زعيم القاعدة في بعض الأوساط الشعبية"بن الخطاب", العصر الحديث.         من جانب آخر, استغل النظام, كعادته ضلوع بعض الشباب الموريتاني في تنظيم القاعدة للتقرب من الولايات المتحدة   الآمريكية في إطار حربها ضد الإرهاب, مقدمة أسر "الشهداء" ومأساتهم كثمن للتقارب مع واشنطن.

الآن وقد انحسرت هذه الفرص يبدوا أنهم مستعدون للعمل داخل موريتانيا وعلى مختلف الأصعدة.

*أموال الزكاة:

إضافة لهذه الفرص يبدوا مشهد الدين السياسي أكثر تعقيدا بسبب القيمة السياسة والمالية المتزايدة لهذا التيار.

حيث تعودت الحركة الإسلامية, بمساعدة من أجهزة الأمن على جباية الأموال الطائلة التي درت بها زكاة مترفي الخليج, لنشر بعض المذاهب المتعصبة, عن طريق مدارس, خرجت بنظام تدريسها وتكوينها عن ضوابط النظام التربوي في الجمهورية, مما جعل عملية تجديد النخب تتم بصفة متوازية مقارنة مع حاجيات الدولة, من الأطر الشابة في مختلف المجالات التقنية, وخصوصا التربوية.

لكن بعد الإصطدام بأجهزة الأمن التي كانت ضالعة في خلق هذا التيار كبديل عن المعارضات الديموقراطية, أخذت الأموال وجهة أخرى, حيث غذت نشاطا اقتصاديا هامشيا, يعتمد أساسا على تبييض الأموال, وتغذية عمليات المضاربات والتهريب, مما جعل الحديث عن طبقة مالية, تسعى إلى إقامة نظام وهابي بموريتانيا, يقلق الجميع, خصوصا ما أظهره هذا التيار في الإنتخابات الأخيرة, من ثراء, وسخاء في المنح, قد يكون مصيريا في عملية تجنيد جيوش الشباب المحبطة, بفعل البطالة وانسداد أي أفق مهني في ظل الدولة المركزية العاجزة عن أخذ مسؤولياتها, في مجالي التكوين والتوظيف

العسكروحلم السلطة الأبدي!      

تكاد تجمع الدراسات التي تناولت التاريخ السياسي لموريتانيا, على أن السبب المباشر لإستيلاء الجيش على السلطة, يعود إلى محاولة الرئيس الراحل, المختار ولد داداه, فتح تحقيق في عملية ضلوع بعض الضباط السامين في التحايل على الأموال المخصصة آنذاك لتمويل حرب الصحراء.

لكن الأب المؤسس قابل تحرك الجيش الذي أبلغته به بعض الدول المجاورة, برضوخ تفادى احتمال إراقة دماء الموريتانيين على حد تعبير الرئيس الراحل, لتحكم المؤسسة العسكرية قبضتها على السلطة, فجر العاشر من يوليو سنة 1978, حيث تعاقبت إثر ذلك اللجان العسكرية, محكمة قبضتها, على مشروع دولة لم يكتمل بعد بنيانه, فكان أن فرضت طريقتها, "الوحشية" في مجمل السياسات التي ارتجلت منذ توليها السلطة, مرسية "ثقافة" الفساد, من تحايل "بطولي" على المال العام, وتعيينات عشائرية, حرمت الإدارة من الكفاءات اللازمة لتسيير مختلف مرافقها

لقد أتى العسكر على الأخضر واليابس, حين هدم البنية القيمية للمجتمع الموريتاني, مبخسا بذلك كل مايتعلق بالمعرفة أو الإستحقاق, و العمل ..

مع ذلك ما فتئت المؤسسة العسكرية تعد بالديموقراطية, كلما استولت جماعة جديدة على السلطة, مما جعل عدوى التسيس بالمفهوم الحركي تنتقل إلى هذه المؤسسة التي كان يفترض أن تحمي الحدود بعد أن فشلت في كسب حربها الأولى, "حرب الصحراء"., لتتحول سريعا فترة حكم العسكريين الطويلة مقارنة بعمر الدولة الموريتانية, إلى مجال مفتوح لمختلف أشكال الإحتقان السياسي, من تصعيد قومي إلى آخر شيوعي وأخيرا الإسلامي…

إذ  شملت سياسة القمع التي انتهجها العسكر كل الأسر السياسية, من بعثيين, ناصريين, قوميين أفارقة, شيوعيين: تارة بتهمة محاولة قلب النظام وتارة بتهمة الإنتماء إلى تنظيمات غير شرعية, تسعى للفساد.

مبدعا في اكتشاف أحدث تقنيات التعذيب, التي عبثت بأجيال متعددة من الطبقة السيباسية للبلد, حيث كانت اللجان العسكرية المتعاقبة على السلطة في موريتانيا, سباقة إلى إلصاق تهم من قبيل الزندقة والخيانة والتطرف والإرهاب, على كل من يشتغل بالسياسة, أو يبدي أبسط اهتمام بالشأن العام

حتى أيام ما سمي بالإنفتاح الديموقراطي سنة 1991, في عهد ولد الطائع لم يكن إلا ذرا للرماد في عيون المجتمع الدولي, الذي كان مصرا على دفع موريتانيا لثمن موقفها في حرب الخليج الأولى مع صدام, كذلك ملفها المثقل بانتهاكات حقوق الإنسان اتجاه المواطنين السود, حيث شرع أحزابا ممنوعة من النشاط, وصحفا ممنوعة من الصدور, ونقابات ممنوعة من الإعتراف…

لكن الإحساس بالغبن في أوساط الجنود من طرف الضباط السامين, المشغولين بتسيير ثراوتهم المنهوبة بوقاحة عالية من تلك البقرة الحلوب التي أصر العسكر على تسميتها موريتانيا, مما طبع فترتهم بنوع من عدم الإستقرار السياسي, الذي أوشك أن يغرق البلاد في مسلسل من العنف.

فبعد المحاولات العرقية, تلاحقت المحاولات القبلية, التي كانت آخرها مع "فرسان التغيير", التي  أظهرت عجز الجهاز الإستخباراتي عن ملاحقة جماعات الشباب الحركيين, الطامعين في السلطة منذ التحاقهم بالجيش, ليستيقظ بعض الضباط الذين فهموا على ما يبدوا أن الوضع بات أكثر تعقدا وخطورة مما توهم ولد الطائع.

كل هذه المعطيات مجتمعة, جعلت الجيش الموريتاني, يبقى وحده القادر على التأثير في مجريات الأحداث بحكم تنظيمه, وسيطرته على  دولة المخزن التي تخشاها النخب وتدين لها الزعامات القبلية بالولاء.

أما الآن وقد تنازل عن السلطة لصالح المدنيين, فينبغي إعادة الثقة من طرف الدولة للنخبة العسكرية القادرة على  إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية على أسس أكثر إنصافا, حتى يصبح جيشا جمهوريا, يشرف بحزم على السير المنتظم للمؤسسات الدستورية, دون أبسط تدخل في الحياة السياسية للبلد التي يفترض من الآن فصاعدا أن تعود فيها الكلمة الأخيرة لمن اختارهم الشعب لتمثيله.

أما الأصوات المنادية بضرورة إشراك الجيش في السلطة بصفة دستورية, فلا يعدوا كونه نوعا من لي رقبة الديموقراطية الوليدة, والتمهيد لعودة بعض الأساليب البائسة للحصول بطريقة غير شرعية على جزء من الكعكة, التي بدأت تسيل لعاب مهنيي التآمر والنهب, المتربصين لمشروع دولة يقضي على نفوذهم الزبوني, الذي أورثوه لأجيال عدة.

خصوصا أنه في الوضع الحالي, ما لم يعمد إلى إعادة هيكلة الجيش, لا يمكن الكلام عن أي دور تمثيلي, لأي جماعة من الضباط مهما كان نفوذها, لأن الجيش على غرار باقي مؤسسات الدولة ممزق, بفعل مخلفات الظلم  المهين الذي طبع طريقة تسييره, التي جوعت الجنود, وأقصت الكثير من الضباط إثر انتمائهم السياسي أو الجهوي في بعض الأحيان. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى, تبقى مطالبة المعارضة بضرورة, وضع حد لتأثير المؤسسة العسكرية من خلال بعض أفرادها النافذين, على تسيير الحياة العامة للبلاد, من ضمن المواضيع التي تعتبر إثارتها بطريقة سياسية من إيجابيات التحول الديموقراطي الذي عرفته البلاد مؤخرا, إلا أن بعض الآراء, التي عبر عنها مؤخرا من طرف بعض الشخصيات العامة, والمطالبة بضرورة إقرار مشاركة دستورية للعسكر في السلطة, تجعل أمن واستقرار البلد في خطر, بحكم عبثية هذه الآراء, والأغراض النفعية لأصحابها, كما عرفهم الموريتانيون منذ استيلاء العسكر على السلطة في يوم مشؤوم من أواخر عقد السبعينات.

موريتانيا تقف اليوم على مفترق طرق, فمستقبلها السياسي رهينة نضج نخبتيها العسكرية والسياسية, اللذين تقع عليها كل من جانبه مسؤولية عبورها إلى بر الأمان حتى تتمكن من مواجهة مسؤولياتها الحقيقية, من تسوية لملف حقوق الإنساس إلى قضاء حقيقي على الفوارق الإجتماعية التي تعتبر مغذيا أساسيا لعدم الإستقرار السياسي.

هذا هو الثلاثي الذي يتحكم في مصير موريتانيا اليوم وبدون تفاهمه لا يمكن أبدا أن نحلم بحل مشاكل من قبيل انتهاكات حقوق الإنسان, أو الفقر, أو الجهل, أو حتى المستقبل الديموقراطي.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

تابع الخبر والتحليل في يومية الحوار