بين ظهراني المبعدين: ليس من رآى كمن سمع
كتبهاalhiwar ، في 21 يوليو 2007 الساعة: 16:48 م
تحقيق : رياض ولد أحمد الهادي/ با ءادم موسى على ضوء الإعلان عن قرب عودة اللاجئين الموريتانيين في السينغال ومالي، زارت "القلم" المخيمات للإطلاع –ميدانيا- على ظرف حياتهم ومن يرغبون في العودة منهم وكيف يريدون تنظيم تلك العودة، وكذا لحضور اللقاء الأول لممثلي اللاجئين منذ أكثر من عشر سنوات مع رئيسة المكتب الجهوي للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين القادمة من داكار من أجل المساعدة في وضع آليات للتحقق من هوية كل لاجئ، والتمييز بين الموريتاني وغير الموريتاني، وفق شهادات اللاجئين الموريتانيين أنفسهم، سبيلا إلى إغلاق هذا الملف نهائيا وإنهاء الجدل والمخاوف التي يثيرها على جانبي النهر.
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا يوم الخميس، 5 يوليو 2007 موعد اللقاء المشهود بين بعثة من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين جاءت من داكار، وبين ممثلي مختلف مخيمات اللاجئين الموجودة على الأراضي السنغالية، تم اللقاء تحت شجرة داخل فناء مدرسة مخيم "انجوم"، (150 كلم داخل الأراضي السنغالية)، وهو أكبر تجمع للمبعدين الموريتانيين إلى السنغال، كان الطقس جميلا، حيث تهاطلت أمطار قريبا من المكان، وبدأ النسيم العليل يلاطف أجساد سكان المخيم المغبرة.
بعد ثلاثة عشر عاما على انسحابها وتركها من كانت تحميهم، ها هي مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعود للتباحث مع هؤلاء في ما يجري من حديث بشأنهم داخل أروقة السلطة الجديدة في انواكشوط.يقول با آمدو صمبا، رئيس مخيم "دودل" (قرية تبعد 20 كلم جنوب مخيم انجوم)، ورئيس رابطة اللاجئين الموريتانيين في السنغال ومالي، بنبرة الواثق من نفسه: "إذا كان عدد اللاجئين 40 ألفا أو 35 ألفا فسيعودون، وإذا لم يكونوا غير 20 ألفا أو 16 ألفا… فهم مستعدون لطي صفحة الماضي".
ما إن أعلن رئيس الجمهورية، في خطابه بتاريخ 29 يونيو الماضي، عن قرب عودة المبعدين، مع الإشارة إلى أنهم كانوا ضحايا الظلم، وأنهم سيستعيدون حقوقهم، حتى تسارعت وتيرة الأمور داخل المخيمات وبدأت اللقاءات التشاورية تلف اللقاءات ليل نهار.وفي هذا الإطار زارت بعثة من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، بقيادة ممثلتها في داكار، روزالين إيدو، مخيم "انجوم" حيث استدعت جميع ممثلي المخيمات إلى اجتماع تشاوري لتبادل الآراء والمقترحات، حضر هذا اللقاء مسؤولوا خمسين مخيما تابعة لمراكز "دغانا"، و"يوود"، "ماتام"، فضلا عن رئيس المخيمات في مالي، صمبا كولياديو جالو.
وعند بدء الاجتماع، استعرضت مسؤولة مفوضية شؤون اللاجئين مختلف أوجه الملف، موضحة للحضور أن منظمتها تلقت طلبا من السلطات الموريتانية في إطار إدارة عودة محتملة للمبعدين، وبينت أن الآليات المتبعة من لدن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الحالات المماثلة، تتمثل في ثلاثة خيارات حسب رغبة اللاجئ، الخيار الأول أن يعود إلى بلده الأصلي؛ والثاني أن يتم توطينه في البلد الذي يؤبه… أما الخيار الأخير فيتمثل في توطينه في بلد آخر.ممثلوا مخيمات اللاجئين عبروا –بداية- عن ارتياحهم لخطاب رئيس الجمهورية والإجراءات الجديدة المتعلقة بإشراك مفوضية اللاجئين في الإشراف على العودة، وأجمع المتدخلون على أن الخطاب الرئاسي جاء بمثابة طلب للعفو، وأنه ذهب مباشرة إلى قلوب الضحايا الذين ثمنوه عاليا.
لا للسياسية… ولرجال الدين!
وحول الحديث عن إشراك حكماء ورجال دين في عملية تحديد هوية المبعدين، أشار ممثلوا المخيمات إلى أنه منذ بداية محنتهم عام 1989 إلى هذا اليوم "لم يتحرك إمام واحد ولا فقيه من مكة إلى "مقامة"، من أجل الشؤال على مصيرهم أو التعبير عن التعاطف معهم"، واستغربوا أن تتم دعوة رجال لم يتحملوا مسؤوليتهم، إلا في حالات نادرة، في وجه "الهولاكو" الذي قام بتدبير وتنفيذ تلك الجرائم، على حد تعبيرهم. ويبدو أن الشخصيتين الدينيتين الوحيدتين اللتين تحظيان بثقة وتعاطف اللاجئين، هما بداه ولد البوصيري ومحمد ولد سيدي يحي، فقد ذكر المتحدثون باسم سكان مخيمات اللاجئين أنهما الوحيدان اللذان عبرا صراحة وفي ذروة الأزمة عن رفضهما واستنكارهما لعمليات التقتيل والتهجير التي نفذها على نطاق واسع، أعوان النظام الحاكم آنذاك. كما طالب المبعدون بإبعاد السياسة عن ملفهم وركزوا على ضرورة التعامل مع القضية من زاوية إنسانية بحتة، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتفادي أي توظيف للملف لأغراض سياسية أو شخصية.
رابطة اللاجئين الموريتانيين في السنغال ومالي، أكثر الهيئات تمثيلا داخل مختلف المخيمات، اعتبرت أن شروط العودة تتطلب الاعتراف بالانتماء الوطني للاجئين، والعودة تحت إشراف المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، والتعويض للمبعدين والأرامل والأيتام، وتنظيم إحصاء محايد ودقيق، وبعد ذلك التفكير في إنشاء لجنة "الحقيقة والمصالحة"، بهدف تجاوز ما يعرف بمسألة إرث الإنتهاكات الإنسانية وغيرها من خروقات حقوق الإنسان. إلى هذه الشروط، تضيف بعض مكونات لفيف تنظيمات اللاجئين، خاصة حركة "افلام" شرطا سابعا، يتمثل في تحديد مرتكبي تلك الانتهاكات وتقديمهم للمحاكمة، كشرط مسبق للقبول بالعودة إلى موريتانيا، وتثير هذه النقطة جدلا واسعا، وخلافات داخل مخيمات اللاجئين.
إثارة هذه النقطة في مثل هذا التوقيت، يشكل في نظر معظم اللاجئين الراغبين في العودة سعيا لإعاقة الجهود المقام بها سواء من طرف السلطات الموريتانية أو من قبل المنظمات الأكثر حضورا في المخيمات، ويتهم هؤلاء بعض الأفراد الذين لا يدعمون العودة ولا يعيشون في المخيمات، بمحاولة إدماج شروط من شأنها خلق حالة من الإنسداد، حتى تظل القضية "التي يتاجرون بها" دون حل.
وفي خطوة أعتبرت سعيا لزيادة تعقيد القضية، أكد عثمان باري، منسق اتحاد جمعيات اللاجئين المقرب من تنظم "أفلام"، أن "قضية المبعدين لا يمكن فصلها عن قضية سجل خروقات حقوق الإنسان، ولا عن قضية التعويض للمدنيين والعسكريين من ضحايا القمع" ، وهو طرح يتعارض ما يعتقده أغلب اللاجئين. حيث يرى صمبا كولياديو جالو، ممثل اللاجئين في مالي، أن "من غير الواقعي، ومن غير الموضوعي أن تسعى حركة "أفلام" إلى ربط مسائل من قبيل تلك المرتبطة بالوحدة الوطنية، وتقاسم السلطة بين المجموعات الوطنية وموضوع إرث الانتهاكات الإنسانية، التي يمكن أن تجد حلولا ضمن ظروف أخرى، في الوقت الذي تطمح فيه الأغلبية الساحقة من اللاجئين الي العودة، وفي وقت يتجه فيه الجميع نحو تضميد الجراح". ويتقاطع هذا الطرح مع رأي مصطفى اتراوري، الأمين التنفيذي لرابطة الموريتانيين اللاجئين في السنغال، الذي يعتبر أن "أي شخص تعرض للظلم، من حقه اللجوء للعدالة للمطالبة بالإنصاف، لكن ذلك لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يشكل عائقا في وجه العودة، ما دامت تشكل أولوية للسلطات الموريتانية ورغبة صادقة لدى المبعدين". وعلى أية حال –يقول أحد اللاجئين- فإن "من لا يرغبوا في العودة غير مخاطبين من قبل الدولة الموريتانية، وعليهم التحدث مع مفوضية شؤون اللاجئين، وترك من يريدون العودة إلى بلدهم يبحثون مع السلطات الموريتانية عن أنجع السبل الكفيلة بعودتهم بشكل هادئ، بعيدا عن المزايدة".
من الموريتاني؟من خلال متابعة الجدل الذي تثيره بعض المجموعات السياسية بشأن مخاوف من احتمال تسلل عدد من غير الموريتانيين داخل صفوف المبعدين، يقترح هؤلاء عددا من الإجراءات والضمانات، فهناك أولا وطنيتهم التي "تفرض عليهم رفض مثل هذا الاحتمال" الذي سيشكل –لو حدث- خيانة للجمهورية وسيضر دون شك بمصداقيتهم، مما يهدد بنسف مساعيهم من أجل عودة "مشرفة"، ثم إنهم يتحدثون عن طبيعة "موريتانيتهم" الجلية، إذ أنهم جميعا ينحدرون من قبائل وقرى معروفة، وعليه فإن كل شخص بالغ يمكن إخضاعه للإختبار من خلال مطالبته بالذهاب لوحدة وتحديد موطنه الأصلي، ووصف أو ذكر أسماء جيرانه، وإن دعت الضرورة أن يحدد للجهات المعنية، الجهات الإدارية التي أشرفت على ترحيله، وفي هذا الإطار فإنهم يقبلون بإشراك الزعامات القبلية العربية التي يمكن الاعتداد بشهاداتها حول صدقية تصريحات هذا اللاجئ أو ذاك، في حالة أي نقص في مجال الأرشيف الإداري.
من جهة ثانية يتوقع اللاجئون أن تشكل الحكومة لجنة لتقييم ومتابعة ملفهم، وهم يرون أن هذه اللجنة ينبغي أن تتشكل من ممثلين عن الإدارة، وشخصيات من المناطق الداخلية، وممثلين عن اللاجئين الموجودين في المخيمات. ويركزون، بشكل خاص، على مصداقية الأشخاص الذين ينبغي أن يتم اختيارهم وبخاصة أولئك الذين سيأتون من داخل البلد، فالمبعدون الذين تابعوا تطور الوضع في البلد لديهم نظرة سلبية تجاه بعض الشخصيات والمجموعات الزنجية الموريتانية، الذين دافعوا دوما عن موقف النظام السابق ضد مأساتهم، ولذا فهم يحذرون السلطة الحالية من مثل هؤلاء.
لقاء مع الممثلة الجهوية لمفوضية شؤون اللاجئين في داكار
روزالين إيدو تتحدث لـ "القلم":
على هامش الاجتماع الذي جرى مؤخرا بين بعثة من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بممثلي مخيمات اللاجئين الموريتانيين في السنغال ومالي، في مخيم انجوم بالسنغال، التقت "القلم" بالممثلة الإقليمية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، السيدة روزالين إيدو وأجرت معها الحوار التالي:
القلم: في أي إطار يندرج اجتماعكم هذا باللاجئين؟
روزالين إيدو: هذا الاجتماع يشكل اتصالا مباشرا في ضوء عودة طوعية من المتوقع أن يتم الشروع فيها لاحقا، وبما أن العودة ليست إجبارية، فمن الضروري التشاور مع المعنيين، كما أنه من الضروري القيام بغربلة أولية لتحديد اللاجئين الموريتانيين الذين ما زالوا هنا في السنغال.
هذه الاتصالات تأتي بهدف إبلاغ اللاجئين بالدعوة التي وجهتها السلطة الموريتانية للمفوضية من أجل المساعدة في عودتهم.
القلم: هناك انطباع بوجود نوع من الخلط في الأدوار على مستوى بعض جمعيات اللاجئين؟
روزالين إيدو: كلا على الإطلاق، تعلمون، هناك أزيد من 200 مخيما، وهذه المواقع تضم على الأقل 10 عائلات، ونحن هنا دعونا رؤساء المخيمات من أجل تسليمهم شكليات الاستمارات التي ينبغي تعبئتها من قبل أرباب الأسر من أجل تحديد الهويا.
القلم: أنتم تقدمون الرقم 20 ألف على أنه عدد اللاجئين الموريتانيين في السنغال، إلى أية فترة يعود هذا الإحصاء؟
روزالين إيدو: الأمر هنا يتعلق برقم للعمل عندما جاءوا إلى هنا سنة 1989 كان عددهم أكبر بكثير، لكن في غضون ذلك ذهب بعضهم إلى بلدان أخرى فيما عاد آخرون إلى موريتانيا، وأقام البعض في أوروبا.
القلم: لما ذا لم ينجح البرنامج الخاص للدمج السريع الذي تم وضعه قبل سنوات؟
روزالين إيدو: هذا البرنامج لم ينجح لأن الظروف داخل البلد الأصلي لم تشهد أي تحسن، حيث لم تعمل السلطات على نجاحه. أما الآن فرئيس الدولة اعترف بالتجاوزات وطلب الصفح وهو مستعد للتعويض، وهنا يكمن الفرق.
القلم: هل لديكم الانطباع بأن اللاجئين يرغبون في العودة إلى بلدهم؟
روزالين إيدو: اللاجئون عاشوا -من ناحية- تجربة في الحياة خارج بلدهم، وما لم نستعد الاستمارات بعد تعبئتها، فلا يمكن لنا تحديد الاتجاه العام. المهم أن يعلم الجميع أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تعمل في إطار الخيارات الثلاثة، المتمثلة في العودة إلى البلد، أو الإقامة النهائية في البلد المضيف، أو الإقامة في بلد آخر.
نواقص
أثناء لقائها باللاجئين، كانت بعثة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تحمل في أمتعتها صناديق مليئة باستمارات موجهة لتحديد هوية اللاجئين وحصر ممتلكاتهم وتحديد أنشطتهم وأوضاعهم الاجتماعية الحالية داخل البلد الذي يأويهم، وقد تم تسليم الاستمارات للمبعدين يهدف تعبئتها، غير أن المعنيين بهذه الاستمارات يرون أنها ناقصة، لأنها لا تسأل إلا عن الأنشطة التجارية والممتلكات العقارية، من قبيل الزراعة مثلا، فيما تتجاهل تربية المواشي، مع أن العديد من المبعدين هم منمون، ويعتزم المعنيون تشكيل لجان يهدف إبلاغ هذه النواقص إلى المفوضية.
أطفال المبعدين: ضحايا أبديونيشكل الأطفال الذين ولدوا في المخيمات، الضحايا الأبديين لعمليات الترحيل، لأنهم ألاف يعيشون في الشوارع، حيث لم يحالفهم الحظ في دخول المدرسة. وفي حال عودتهم إلى موريتانيا سيواجهون مشكلة الاندماج في النسيج المدرسي الوطني.
ولئن كان المبعدون حرصوا على الحفاظ على النظام التربوي الموريتاني، فإن التغيرات المحلية كانت عميقة لدرجة بات معها الانفصام الثقافي جليا، انهم يتحدثون اللغات الوطنية باستثناء الحسانية الأمر الذي لن يسهم في تسهيل الأمور. ومن هنا فان هؤلاء الأطفال سيدفعون طيلة حياتهم ثمن ما ارتكبه نظام اختار المزايدة.
إنهم ككل الأطفال يلعبون ويرقصون ويغنون في مخيم "دودل"، وقد شكلوا ناديا لكرة القدم يحمل تسمية "المرابطون"، نسخة المبعدين..
عند رؤيتهم لنا تجمعوا حولنا وهم ينظرون الينا باستغراب وتعجب، ويتوددون الينا بترديد كلمة "شباتو" (بيظاني) فهي المرة الأولي في حياتهم التي يروا فيها "بيظاني" تطأ قدماه مخيماتهم، وكانوا يسألوننا عن موريتانيا وكيفية الحياة فيها وأنهم يريون العودة إليها..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحقيقات | السمات:تحقيقات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























