جريدة الحوار


اقرء في جريدة الحوار اليوم

سنيم، والأنظمة العسكرية

كتبهاalhiwar ، في 6 نوفمبر 2007 الساعة: 17:03 م

إسمــــــاعيل ولد أعمر 
إن الكشف بعد تسريب منظم أم لا، عن نية الحكومة تحويل جزء من مشاركتها التي تشمل أغلبية كبيرة (أكثر من 78%) من رأسمال سنيم إلى شركة ميتال ، قد انتشر مثل نثار البارود وكان له أثر القنبلة على الرأي العام. ويبدو أن تفكيرا سريا يعود مصدره إلى محن النظام العسكري لـ 03 أغسطس 2005 كان جاريا لهذا الغرض. وهكذا يخشى على سنيم أن لا يحالفها الحظ للتغلب على العوائق المهنية التي تعرضها لها الأنظمة العسكرية.

    إن تقديم وزير النفط والمعادن خلال مؤتمر صحفي مطلوب لتهدئة توتر الجو السياسي الناتج عن انتقادات، لاذعة أحيانا، للحكومة المتهمة بالقيام بإنهاء تأميم ثروة وطنية قد خيب الآمال فلم يقدم سوى حجج واهية مأخوذة من مرجعية أنصار الليبرالية الوحشية الذين لا يهدفون إلا إلى زيادة الربح بواسطة وسيلة زيادة إنتاجية العمل عبر تخفيض وظائف الشغل مع إنتاج ثابت. وتتمثل الحقيقة الوحيدة التي قدمها في اعترافه بأن سنيم تحمل "حمولة رمزية" كبيرة. إنها صياغة أخصائي الآداب الذي أثبت عبر هذا التقديم الرديء، بأنه يصعب دائما على أخصائي الآداب التحكم في دقائق المشاكل الصناعية.
لا يتعلق الأمر فقط "بحمولة رمزية" أو "حمولة وجدانية". كيف يتسنى لحكامنا اليوم تجاهل أو التظاهر بتجاهل كون سنيم بنت الوطنية الموريتانية وأن الشعب الموريتاني قد تبنى القرار المتصور والمعد بترو وعمق من قبل الرئيس المختار ولد داداه والقاضي بتأميم ميفرما؟ لقد وافق الشعب الموريتاني في لحظة إجماع نادرة، على تلك الشجاعة السياسية الفريدة المتمثلة في تحويل تجمع صناعي ضخم يستغله خبراء فرنسيون إلى مؤسسة عمومية صغيرة ذات طابع صناعي وتجاري عرضة للضرائب والسخرة بلا هوادة ولا رحمة حسب الممارسات الاعتيادية في بلد متخلف. وفي جهل هذا الخطر، لم ينشئ الشعب تلك العلاقة الوجدانية القوية فحسب بل اعتبر نفسه بشكل طبيعي المالك الجديد لمنشآت ميفرما الصناعية. ويشكل رفضه الحالي البات لنوايا الحكومة ردة الفعل العادية لمالك يهدد بنزع ملكيته.
ظلت سنيم لغاية فاتح يناير 1979 بالفعل ملكية للشعب وان الرئيس المختار ولد داداه بفضل ذكائه السياسي واستقامته تجاه المال العام، قد قبل وضع "جدار" افتراضي منيع حول سنيم وبينها وبين الإدارات العمومية: لا محسوبية ولا رشوة لوكلاء الدولة، شفافية تامة تجاه المشترين والموردين. لقد تم تنفيذ قواعد مكتوبة للعبة وتطبيقها بصرامة. ففي عامي 1997 و1978 رغم خسائر معدات السكة الحديدة الناتجة عن الهجمات الليلية للبوليزاريو التي بدا الجيش الموريتاني عاجزا عن إيقافها بل وتخفيضها ورغم انخفاض الصادرات بسبب صعوبات نقل الحديد من المعدن إلى الميناء المنجمي، فان سنيم لم تواجه أبدا صعوبات خزينة إلى حد منعها من دفع أجور العمال. وإن فرضية ظهور تلك الصعوبة في المستقبل كما أثارها وزير النفط والمعادن تلويحا يمكن وصفه بالشتم المجاني الموجه إلى إدارة سنيم الحالية.
وهكذا، فان الانشغال الأساسي للحكومة والذي قد يكون أساسا لتفكيرها ونواياها الحالية هو الدفاع عن مصالح سنيم وعمالها ورتبتها في الاقتصاد الوطني، عبر البحث عن تجنبها تدهور حالتها المالية في المستقبل بواسطة (أ) التخفيض المتزايد لحصتها من السوق العالمية لخامات الحديد في اقتصاد عولمة يتزايد فيه الطلب الإجمالي على خامات الحديد بنسب مذهلة منذ عام 1998 يدفعها الاستهلاك العالمي للفولاذ (ب) خطر اتجاه انخفاض الأسعار المرتبط بحصة صناع الحديد والصلب وبإستراتيجية (1) استغلال المناجم المحبوسة لضمان التموينات و(2) مكافحة اتجاه ارتفاع الأسعار بدعم من المناجم المستقلة التي تسعى عبر الأسعار الجيدة المربحة أكثر فأكثر إلى تطوير مناجمها بواسطة التمويل الذاتي.
يشمل تقديم وزير النفط والمعادن انتقادات واضحة تقريبا لشركة سنيم، وكان أحرى به أن يهنئها على تمكنها من المحافظة على طاقتها الإنتاجية الأصلية وعلى العلاقات التجارية الجيدة مع زبائنها الذين يمكنونها من تسويق كل إنتاجها. وليس ذلك بالنسبة للمراقبين المطلعين مسألة بسيطة ولا هدفا سهل البلوغ. إنه نجاح حقيقي وبدون المؤهلات المهنية لهيئتها الفنية وصيانة الأساسي من قواعد وإجراءات التسيير الفني والمالي ما كانت سنيم لتحقق أبدا هذه المأثرة في المحيط السياسي والإداري الذي أنشأته الأنظمة العسكرية.
وبعد الصدمة الناتجة عن الهجوم على ازويرات يوم فاتح مايو 1976، تحولت سنيم إلى مدرسة لتحسين الخبرة والامتياز بالنسبة للمهندسين والفنيين الموريتانيين وأصبح الاستثمار للتكوين أولوية. ومع الزمن صار هذا المركب الصناعي في الشمال مشتلا للمسيرين والمهنيين في مجالات الجيولوجيا والمعادن والكهرباء الميكانيكية والالكترونيات. وكان من الضروري الحفاظ على عناية قوية لتأمين هذه المصادر البشرية بواسطة سياسة ذكية للأجور تعتمد على الإنتاجية. وللأسف برزت تذبذبات في عقد 1992 – 2003 الرهيب، حيث أن الأموال السهلة الحاصلة من سك الأوراق المصرفية والرشوة والمخدرات قد مكنت اقتصاد السوق في انواكشوط من ابتلاع أطر سنيم الذين جذبتهم اقتراحات أجور مغرية. كان يتعين على إدارة سنيم مع ضمان تأمين التوظيف لهم أن تمنح الأطر والفنيين السامين أجورا مماثلة لتلك التي يتقاضاها زملاؤهم في المناجم المنافسة لهم في حالة تساوي الإنتاجية ويتيح الوقت الآن فرصة، بمناسبة التفكير الذي بدأته الحكومة للتذكير ببعض الحقائق والمعوقات المخلة بالاستقرار والتي فرضتها الأنظمة العسكرية على سنيم.
1. إن الجدار الافتراضي الذي حماها ضد طلبات وضغوط الإدارات قد تطاير تماما، وأصبحت تلبية مطالب تلك الإدارات أسهل عبر تأسيس وظيفتي المدير العام ورئيس مجلس الإدارة، حيث كانت كل حكومة عسكرية تعين في هاتين الوظيفتين عملاءها ذوي الولاء القوي والشديد لرئيس الحكومة.
لقد بدأت عملية تحويل سنيم من مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي و تجاري إلى شركة مساهمة عام 1977 بدفع من الحكومة التي يرأسها المختار، ولم تكن فعلية إلا في نهاية عام 1978، ستة أشهر بعد انقلاب 10 يوليو 1978. وتمثل هدفها الأساسي في تزويد سنيم بنظام تسيير عصري على غرار الشركات الصناعية الأخرى ذات نفس المستوى. وسرعان ما بدت استحالة تحقيق هذا الهدف مع عسكريين ضيقي الأفق ومتعطشين للسلطات الاقتصادية. ومنذ عام 1979، تم دمج سنيم في أحضان الإدارة العمومية مع قيود إدارية وجبائية قاسية.
كانت سنيم قبل خصخصتها تستفيد من نظام جبائي محدد في اتفاقية إقامة ميفرما وأصبحت الآن مثقلة باستمرار بالضرائب التي لا تأخذ في عين الاعتبار حاجة التمويل الذاتي لتطوير المنجم. لم تحول إلى بقرة حلوب للحكومات العسكرية فحسب، بل تم إدماجها في نظام الرشوة العامة الذي اكتشفته الحكومات العسكرية وتم تطويره ليبلغ ذروة إضراره في عقد 1992 – 2003 الرهيب.

2. تم إقحامها في استثمارات قيل إنها "للتنويع" ولا تمت بصلة إلى هدف الشركة ولا تدخل أي تضافر جديد للطاقات: الفندقة، السياحة، مؤسسة طرق، بناء محطات كهربائية للشركة الموريتانية للمياه والكهرباء…الخ.
إنها تستفيد من ميزة مقارنة استثنائية بفضل موقعها الجغرافي القريب من صناعات الحديد والصلب الأوربية وبالتالي تستطيع تسويق الأساسي من إنتاجها في أوربا مع فارق إيجابي في أسعار تسليم ميناء الشحن (FOB) مقارنة مع المناجم البرازيلية والأسترالية، وتحصل كل سنة على رقم مبيعات بالأوقية يتزايد باستمرار، يضخمه على وجه الخصوص الهبوط الرهيب للعملة الوطنية بسبب تخفيضين متتاليين للقيمتها، تخفيض مجحود عن طريق ضخ الأوراق المصرفية والتخفيضات الرسمية وأهمها تخفيض عام 1992 الذي قررته الحكومة العسكرية وأنجزه الجلاد الشهير للبنك المركزي الموريتاني الذي قطع رأس الأوقية ووضع موريتانيا في حداد تبكي على فقدان وسيلة قوتها. لم يحصل قط أي مصدر على ربح كهذا محدد بالوعود المعسولة مثل ما حصلت عليه سنيم بفعل الآثار الإيجابية المتضافرة للتخفيضات الكبيرة وضعف تضخم التكاليف الداخلية. ففي عام 1978 كان سعر صرف الدولار يتراوح بين 42 و45 أوقية ولم يزل يرتفع منذ عام 1985 ليتجاوز اليوم 250 أوقية في فترة ضعف الدولار. وخلال العقد الأخير، كانت سنيم تتوفر على سيولة ضخمة إلى درجة أنها صارت توظف فائض سيولتها في البنوك، وأموال سنيم هي التي تسمح أساسا للمصارف بشراء أذون الخزينة. ويبدو كذلك أن وزير المالية غالبا ما يلجأ إلى سنيم للحصول على سلفات للخزينة. ومع وجود تلك الموارد، من المشروع أن نتساءل مثل الحكومة الحالية لماذا لم تستفد سنيم من الظرفية الملائمة، ويبدو أنها مستمرة، لتطوير مناجمها وزيادة طاقتها الإنتاجية والتصديرية؟
على كل حال لا يعود الأمر إلى الكسل الذهني ولا إلى قلة الطموح ولا إلى جهل جيولوجيا المنطقة وطاقات المناجم التي تم إعداد خرائطها. فمنذ 1977، في خضم معركة الدفاع عن المنشئات والقطارات والبحث عن التمويلات الضرورية لمشروع الگلابه، نظمت إدارة سنيم اجتماعات الزوبعة الفكرية والدراسات الاستشرافية مخصصة فقط لتحديد معالم مشروع مضاعفة الطاقة الإنتاجية. تم تصور ذلك المشروع لإنتاج 24 مليون طن ويتطلب استثمارات ضخمة للمعادن والسكة الحديدية والميناء. ولا يحق لأي أحد أن يعيب، بدون تحفظ، على سنيم عدم مواصلة هذا التفكير وذلك المشروع. إنها منشغلة في إعداد مصنع الگلابه الذي تم استلام خط هرسه الجاف على عجل لإرضاء رئيس الحكومة آنذاك والذي يعطي بالكاد نصف مردوديته المنتظرة. كما تتعرض لضغط الضرائب وتعاني من إهانات النهابين في الحكومات العسكرية ولذلك رأت طاقاتها للتمويل الذاتي تتقلص باستمرار. وللقيام باستثمارات ضخمة، يجب على سنيم أن تتمكن من تحويل فائضها المساوي لاحتياطيها من الأوقية إلى العملة الصعبة لشراء البضائع والخدمات الأجنبية: لقد كان ذلك أمرا مستحيلا مع الحكومات العسكرية.
3. وحسب الحكومة، تحتاج سنيم، من أجل نموها، "بل من أجل بقائها" على حد قول وزير النفط والمعادن، إلى شريك استراتيجي.
وهكذا تخرج الحكومة أسلحتها الثقيلة، العبارة المستعملة في غير محلها "الشريك الاستراتيجي" التي تستعمل بشكل مناسب أحيانا وغير وارد تماما الآن.
يبحث عن شريك استراتيجي لخبرته الفنية ولقوته المالية من أجل التقويم، غالبا ما في إطار تحويل مرفق عام يسيره مسير متعثر. يمكن تبرير ذلك البحث لتقويم الشركة الموريتانية للكهرباء أو الشركة الوطنية للماء اللتين سحقتهما وأخضعتهما ثلاثون سنة من الأنظمة العسكرية. هل يسعنا أن ننتظر أي أداء من قبل شركة للماء والكهرباء عند ما يعهد بإدارتها العامة إلى جمركي لا يحسن سوى تدقيق تصريحات الجمارك أو إلى ضباط من الجيش أو الدرك لم يسيروا سوى راتب وغذاء بضع عشرات من الجنود قليلي الأجور وسيئي الثياب وناقصي الغذاء، ولم يكن انشغالهم قط السهر على متابعة (أ) إجراءات صيانة وتصليح معدات الإنتاج، و(ب) مستويات الإنذار لاستبدال القطع البالية، بل إرضاء ولي نعمتهم، رئيس الحكومة العسكرية.
أجل، سيدي الوزير الأول، ابحثوا عن شركاء استراتيجيين للشركة الموريتانية للكهرباء والشركة الوطنية للماء. لن تجدوهم بالنسبة للشركة الوطنية للماء بالنسبة لموريتانيا كلها لأن تسيير إنتاج وتوزيع الماء محدد مكانيا. يتعين البحث عن مسير لكل مدينة. يمكن أن تجدوا شريكا يقبل تسيير الماء في انواكشوط في إطار عقد تسيير، لكن يصعب عليكم وجوده للتسيير على شكل تعهد.
وبالنسبة للشركة الموريتانية للكهرباء، ستجدون شريكا استراتيجيا لعموم موريتانيا عند ما يتم ربط كافة الشبكات فيما بينها. وربما تجدون الآن شريكا استراتيجيا لنواكشوط و نواذيبو.
إن حل المشاكل المرتبطة بإنتاج وتوزيع الماء والكهرباء اللذين يشكلان مرافق اجتماعية حيوية بالنسبة للمواطنين وهما موضوع طلب عمومي قوي، يشكل عملا ضخما لكم ولمصالحكم. وستكسبون الناخبين إذا ما تمكنتم من حلها. وإذا لم تقوموا بتسويتها فستفقدون وظيفتكم.
فلتؤجلوا إلى وقت غير محدد تفكيركم حول سنيم ولقاءاتكم مع ميتال وآخرين، حيث لا تحتاج سنيم إلى شريك إستراتيجي للأسباب التالية :
‌أ. تتحكم تماما في تقنيات البحث الجيولوجي والمنجمي وطرق وإجراءات استغلال المناجم في الهواء الطلق وتسيير وصيانة سكتها الحديدية ومينائها. ولا تستطيع ميتال أن تقدم لسنيم أي شيء في مجال الخبرة المعدنية. قد يكون من مصلحتها إقامة علاقات تجارية جيدة مع سنيم كمورد لخامات الحديد لمصانعها، وعلى ذلك الأساس استخدام خبرتها لمساعدتها في تطوير مناجم فاليمي. تمثل ميتال مجموعة كبيرة لصناعة الحديد والصلب على المستوى العالمي وتعاني من نهم لابتلاع مصانع الحديد والصلب، فهي ليست منتجا لخامات لكن لديها إستراتيجية لتأمين تمويناتها بخامات الحديد، وفي هذا الإطار ربما ترغب في اقتناء المناجم للاستحواذ عليها. ولكي تكون مشاركة ميتال في رأس مال سنيم منسجمة مع هذه الإستراتيجية، يجب أن تصبح تلك المشاركة أغلبية، لأن مشاركة أقلية، ولو كانت أقلية التعطيل، لا يمكن أن تحول منجم ازويرات إلى منجم أسير. وإن مشاركة ميتال بالأغلبية وتحويل منجم ازويرات إلى منجم أسير لصناعات الحديد الأوربية ستأولان على أنهما ثأر لمساهمي ميفرما.
‌ب. بما أن المساهمة التكنولوجية لميتال معدومة بالنسبة لمهندسي سنيم، فماذا سيكون إسهامها المالي؟
حسب قول الصحافة فإن ميتال قد اقترحت 2 مليار دولار لمشاركتها. لكن ما هو شكل تلك المشاركة؟ يمكن تصور احتمالين :
1. عن طريق شراء جزء أو كل مشاركة الدولة: وفي هذه الحالة يدفع ذلك المبلغ إلى الخزينة العامة مقابل تحويل الأسهم التي تمتلكها الدولة. ماذا ستفعل الدولة بهذا المبلغ؟ هل ستضعه تحت تصرف الحكومة لاستهلاكه في الأجور وفي مختلف مشتريات البضائع والخدمات؟ سيمثل ذلك حماقة لن يقبلها أي نائب. إن ذبح البقرة الحلوب لاستهلاكها مرة واحدة والبقاء دون دخل الحليب الحاصل من الاستثمار الأصلي ليس جزء من فلسفتنا الاقتصادية نحن البدو.
إن مبلغ ملياري دولار المعلن عنه يبدو مبالغا فيه ولو لشراء مجموع الأسهم التي تمتلكها الدولة. وفعلا فإن ميتال، التي ليست هيئة خيرية، لن تدفع مقابل السهم سعرا يتجاوز الثمن المأخوذ من الأصول الصافية الحالية لشركة سنيم. فقد تم أخذ مساهمة الدولة التي تساوي الأصول الصافية لشركة سنيم عام 1978 المحددة بحوالي 9 مليارات أوقية آنذاك، أي بسعر للدولار = 45 أوقية، أصولا صافية قدرها 200 مليون دولار.
وإذا كانت سنيم في حالة يرثى لها، كما أشار إلى ذلك وزير النفط والمعادن، فإن ميتال لا تستطيع شراء مساهمة الدولة إلى بقيمتها الاسمية أي 200 مليون دولار في أحسن الاحتمالات.
وإذا قبلت ميتال شراء تلك المساهمة بقيمة 2 مليار دولار، فذلك يعني أن القيمة الحالية للأصول الصافية قد تم تقديرها بـ: (2 مليار × 100/78,35) = 2.552 مليون دولار. وبأصول صافية بهذا الحجم، فإن سنيم ليست في وضعية صعبة كما تدعيه الحكومة.
2. بواسطة مساهمة نقدية في إطار زيادة رأس المال.
إن زيادة رأس المال عملية مالية تخضع لقواعد قانونية دقيقة ويتمتع المساهمون الحاليون بحق الشفعة على الأسهم الجديدة التي يتم اكتتابها. ولا نرى جيدا كيف تستطيع ميتال من الناحية الفنية اكتتاب 2 مليار دولار من الأسهم الجديدة، في حين يمكنها الحصول على الأغلبية في رأس مال سنيم عبر شراء مساهمة الدولة التي تضمن لها تلك الأغلبية وتخفض حصة الدولة في البنية الجديدة لرأس المال إلى 27,35%. ما ذا ستكون كلفة تلك العملية بالنسبة لميتال؟ ستكون نتيجة لتفاوض مناسب للمشتري لأن البائع قد دمر بدعاية قاتلة سمعة سنيم التي ربما شهدت هبوط أسهمها بسبب تلك الدعاية السيئة لو كانت مسجلة في البورصة. إن عرض 2 مليار دولار الذي تحدثت عنه الصحافة ليس إذن سوى المبلغ الكلي الذي تقترح ميتال استثماره ليوزع بين تكلفة الأسهم المحولة وسلفة المساهم ذي الأغلبية و/أو قرض مضمون.
يجب على الدولة أن تحذر من هذا الاقتراح بالرجوع إلى أرشيفها وتجربتها مع ميفرما. إن هذه الأخيرة، وهي صاحبة مشروع الگلابه، لم تخفي الصعوبات، التي لا يمكن تجاوزها بالنسبة لها، والمتمثلة في تعبئة التمويل الضروري لذلك المشروع. لا ينبغي لأي أحد أن ينسى أن الحجة الأساسية التي تعضض تأميم ميفرما كانت إيجاد الظروف الجديدة التي تمكن من تمديد حياة منجم ازويرات وتطويره، وهو هدف اقتصادي ذو أولوية بالنسبة للبلاد ولا يمكن بلوغه، بالإضافة إلى دعم الممولين الدوليين مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار، تعبئة مساهمات مالية هامة من العالم العربي: وكان ذلك أحد الأسباب العميقة لجولة الرئيس المختار في دول الخليج العربي عام 1974. وليست ميتال ولا آرسلورـ ميتال هما اللذان سيطوران المناجم في موريتانيا، وليسا هما اللذان سيستثمران في صناعة الحديد والصلب: لن يستطيعا أيدا تعبئة التمويلات حسب الشروط الميسرة التي تتطلبها الاستثمارات الضخمة في بلادنا.
وبالنسبة لصناعة الحديد والصلب، يجب نسيان المرور بالزهر وتقنية مصهر الحديد. ومنذ اكتشاف الغاز، يتعين تأسيس الطموحات في هذا المجال على الاختزال المباشر الذي يستخدم الأقراص: ذلك هو الطريق الجيد الذي تسلكه سنيم الآن بالاشتراك مع شركة سفير، وشركات عربية للحديد والصلب. وفي التعاون مع الشركات العربية بالذات تستطيع سنيم تطوير إنتاجها. ولأجل ذلك يجب وضعها في ظروف تمكنها من تطبيق التسيير العصري والاستفادة من نظام جبائي ملائم يسمح بتأطير مبالغ كبيرة لإعادة تشكيل المعدن ومبالغ استثمارية للعصرنة. سيدي وزير النفط والمعادن، اقبلوا إذن تزويد البنية الفنية لشركة سنيم بهيكل نظام على قمتها أقوى كرامة وأشد فعالية، طبعا عبر إنشاء وظيفة الرئيس المدير العام وتفويض السلطات العرفية التي يتمتع بها هذا النوع من الشركات الصناعية. ويتبع له مباشرة مدير عام مساعد مكلف بالتسيير الفني والإداري لأدوات إنتاج ونقل وتصدير خامات الحديد ومدير مالي ومدير تجاري مكلف بالعلاقات مع الزبائن وبتسيير عقود البيع ومدير للمشتريات.
إن الإداري المدير العام الحالي إطار قديم في سنيم قد اكتسب تجارب مثرية لدى الاتحادية العامة لأرباب العمل الموريتانيين ثم لدى المكتب الدولي للشغل وهو الأفضل تماما لشغل وظيفة الرئيس المدير العام. وينبغي طبعا اختيار المدير العام المساعد من بين المديرين الرئيسيين الحاليين، إما مدير مقر الاستغلال في ازويرات أو المدير المكلف بالسكة الحديدة وبالميناء. وإن هيئة كهذه والعودة إلى مزيد من الاستقلال في التسيير، يمكن الدولة من الحكم على سنيم من خلال نتائجها، ستمكنكم من معرفة قدرة هذه البنية الفنية المعاد تنظيمها وحيويتها والمخولة مسؤوليتها.
يقدم البعض، على حد قول الصحافة، الخطر الذي يهدد سنيم بدخول فترة اضطراب مع المنافسة المعلنة للدخول المحتمل لمناجم فاليمي و مون نيمبا مرحلة الإنتاج وظهور اتجاه هبوط أسعار خامات الحديد.
إذا كانت هناك شركة لا تخشى منافسة هذين المنجمين الإفريقيين، فهي سنيم بالذات للأسباب التالية:
 تتوفر على معلومات فنية واقتصادية موثوقة حول هذين المنجمين. إن محاولات استغلال معدن مون نيمبا الجميل جدا توجد منذ عام 1960 وقد فشلت على الدوام بسبب ارتفاع تكلفة نقل المعدن عبر السكة الحديدة إلى كوناكري، وهو شرط تفرضه غينيا. وكان يمكن استغلال هذا المعدن منذ السبعينيات لو قبلت حكومة غينيا تصديره عبر ليبيريا.
كما اصطدمت الدراسات الفنية والاقتصادية لمعادن فاليمي بنفس الصعوبة: إن الاستثمارات في السكة الحديدية والميناء ضخمة إلى درجة تجعل مردودية المعدن غير مؤكدة.
وبينما كانت دراسات جدوائية هذين المشروعين المعدنيين تنام في دواليب مكاتب الدراسات وصناع الحديد والصلب والحكومات خلال عقدي الثمانينيات والتسعينات، وكان يعاد تقييمها من حين لآخر حسب أسعار المعدات الصناعية وأسعار معادن الحديد، كانت سنيم تستغل معدنها حيث حافظت، بواسطة أسعار بيع تتطور قليلا فوق 20 دولار للطن، على طاقة إنتاجها الأصلية ووزعت أرباح أسهم كبيرة على مساهميها.
يبدو أن مستثمرين جدد يتوجهون الآن نحو استغلال تلك المعادن منذ أن تجاوزت أسعار خامات الحديد 40 دولار، وتبلغ اليوم 50 دولار. يتعين على الحكومتين الغينية والسنغالية التحلي بالحذر وعدم بدء الأحلام أمام التصريحات المنتشية مثل تصريحات ميتال وأن تريا كيف يمكن إعداد خطة التمويل. إذا استغلت ميتال معادن فاليمي رغم ضخامة الاستثمارات ومردودية مرتبطة بأسعار تتجاوز 40 دولار للحصول في نهاية المطاف على معدن تابع والضغط بذلك على منتجي المعادن المستقلين لتخفيض أسعار المعادن، فإنها مهددة، في حالة انخفاض هام لتلك الأسعار، بوجود معدن يعاني من العجز وبالتالي خسارة ما كان يريد كسبه في مكان آخر.
 وبالأسعار المنخفضة التي ستستغل بها ميتال معادن فاليمي متحملة خسارة مالية كبيرة، فإن سنيم ستربح دائما إذا ما حافظت بنيتها الفنية المجددة على قواعد اللعبة وقامت بتحديثها وسهرت بالدوام على التكيف.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

تابع الخبر والتحليل في يومية الحوار