جريدة الحوار


اقرء في جريدة الحوار اليوم

التجربة الديمقراطية الموريتانية وآفاقها

كتبهاalhiwar ، في 6 نوفمبر 2007 الساعة: 17:09 م

دحان أحمد محمود / وزير خارجية سابق ومرشح لرئاسيا 2007
dahan2007@gmail.com
الكلام حول هذا الموضوع يترتب عليه أولا وقبل كل شيء معرفة معالم المشهد الحالي بما فيه من عوامل قد تؤثر سلبا أو إيجابا على سير العملية الديمقراطية ثم لا بد من الكشف عن المعوقات والعراقيل التي قد تعترض سبيلنا وسعينا نحو توطيد الممارسات الديمقراطية في بلدنا .

بعد هذه المقدمات سيكون من الممكن استشراف ما يتوقع أن تؤول إليه تجربتنا ونخلص إلى بعض المواقف التي قد تساعدنا في إنجاح ديمقراطيتنا.

1. المشهد الحالي
تنعم موريتانيا الآن بوجود سلطات تنفيذية وتشريعية تم انتخابها بشكل مقبول عند معظم الفاعلين السياسيين لما اتسمت به عمليات التصويت من احترام الجدول الزمني وشفافية الإجراءات وعدم تدخل الإدارة الجهوية بشكل لافت، وهذه كلها أمور محمودة . لأول مرة في بلدنا انتقلت السلطة بشكل سلمي ودستوري من شخص لآخر وهذا مكسب عظيم في حد ذاته يثمنه كل الفاعلين السياسيين الأمر الذي دفع جلهم إلى التعبير بطريقة أو أخرى عن استعدادهم للمشاركة في السلطة من أجل إنجاح تجربتنا الديمقراطية الناشئة.

الإعلام
مما يحمد في هذه المرحلة كثرة العرض الإعلامي وتنوعه (يوميات، أسبوعيات، جرائد الكترونية، مواقع..) ويحمد كذلك ما حظي به القطاع الإعلامي من حرية شوهد وقعها حتى في الإعلام الرسمي يمكن القول بأن أغلب وسائل الإعلام كانت منحازة لطرف ما، أي أنها لم تكن ملتزمة بقواعد المهنة في معالجة الأخبار وفي إدارة الحوار حول أنجع السبل لتحقيق المصلحة العامة لغياب الشفافية وعدم تواصل المسئولين عن الشأن العام مع وسائل الإعلام، كاد الخبر والشائعة أن يستويا في المصداقية عند الناس.

الحكومة
تأخر الإعلان عن تشكيل الحكومة وعليه لم تتمكن من الإسراع في مباشرة العمل شكلت على غير هيكلة الحكومة السابقة ولا يبدو أن هيكلتها درست بتمعن قبل تعيين الوزراء الأمر الذي زاد في تباطؤ مباشرة العمل أريد لهذه الحكومة فيما يبدو أن تكون حكومة تكنوقراطية وهذا ما قد لا يؤهلها بشكل كاف لتسوية المشاكل السياسية الكبيرة مثل ملفات حقوق الإنسان، وملف المبعدين وأكبر من ذلك و أجل ملف بناء دولة المؤسسات ودولة القانون والدولة الخادمة للمواطن وغيرها من ملفات دقيقة تحتاج إلى دراية وحنكة وعناية خاصة، غير أن مثول الوزير الأول أمام البرلمان أظهر من الكيس ما يخفف من هذه المخاوف وينذر إذا ما صدَقه العمل بإمكانية تسوية بعض هذه المشاكل.
يبدو أن الوضع المالي الحقيقي، ليس مرضيا، خلافا لما توحي به بعض الإعلانات الرسمية السابقة. كما أن مشاكل الماء والكهرباء وغلاء الأسعار ظهرت بحدة وفجأة فور تنحي الحكومة الانتقالية مما أثار ريبة عند بعض المراقبين

الفاعلون السياسيون
كما ذكرت آنفا لا يريد الفاعلون السياسيون عرقلة عمل الحكومة ويتمنون لها النجاح وكان بود أغلبهم المشاركة فيها وذلك من أجل إرساء الديمقراطية في بلدنا ربما للسبب المذكور أعلاه توقف بعض هؤلاء عن الحوار السياسي وتوجيه اللوم أو الشكر وإعطاء النصائح للحكومة حول تعاملها مع أزمة الماء أو الكهرباء أو ارتفاع الأسعار أو معالجتها لقضية المخدرات وغير ذلك من الملفات وتركوا للنقابيين والصحفيين وحدهم مسئولية التصدي لحمل هموم الناس وهذا أمر مرغوب عنه.
وعليه فإن هذه المرحلة رغم أهميتها وحساسيتها تتسم لحد الآن بفقر ملحوظ في الخطاب السياسي

2. المعوقات
تقف بعض العقبات الجسام دون إرساء وتثبيت الديمقراطية في بلدنا
معوقات بنيوية:
فالطريق إلى بناء الدولة الديمقراطية يمر بمحطات إجبارية هي:
بناء دولة المؤسسات. وما زلت أعتقد أن كل الذين حكموا بلدنا منذ الاستقلال ـ وقد سجلت لهم بعض ما أنجزوه ـ لم يسعوا إلى هذا الهدف سعيه.
بناء دولة القانون التي تطبق قوانينها بالسوية على الجميع، سواء عندها الغني والضعيف والحاكم والمحكوم. وهذا أيضا هدف مؤجل إلى حد الآن.
بناء الدولة الراعية التي تحمي مواطنيها وتيسر لهم إشباع حاجاتهم الأساسية.. وما ضعفت هيبة الدولة وتضاءل الإيمان بها، وما طلبت الحماية منها بغيرها، إلا لأنها لم تحقق بعد لمواطنيها هذه الوظيفة الأساسية.
رسوخ الديمقراطية في بلد ما يتطلب وجود \"طبقة وسطى\" عريضة تجد مصلحتها في إرساء دولة القانون وترغم المؤسسات العامة على تأدية وظائفها وإن مثل هذه الطبقة لم يبرز بعد في بلدنا.
إن الوعي بأهمية الممارسات الديمقراطية ينبي على أساس معرفي يحتاج إلى حد أدنى من المستوى التعليمي ونحن لم نبلغ بعد هذا المستوى.

معوقات اجتماعية - ثقافية:
شعبنا طبعته البداوة منذ أكثر من 7 قرون لا يعرف عمارة الأرض ولا يعرف أي نوع من الأحكام المركزية. ولئن كان المرادي شيخ المرابطين من أول العلماء الذين ألفوا في كيفية تدبير الحكم فإن الموريتانيين تعودوا على عدم وجود سلطة تهتم بشؤونهم حتى أنشئت أول إدارة عندنا من قبل المستعمر الفرنسي. و بطبيعة الحال صممت هذه الإدارة لخدمة \"الحاكم المستعمر\"، ولم يكن من همها أن تخدم السكان وتعمر الأرض. ولما جاء الحكام الموريتانيون \"الوطنيون\" وجدوا ضالتهم المنشودة في أجهزة إدارية و أمنية أنشئت و هيئت لخدمة \"الحاكم \" وتعود الناس على هذا النمط من الأحكام الاستبدادية، ولم تنجح الممارسة الديمقراطية المحدودة في معالجة هذا الوضع إلى حد الآن.
وهنالك عائق آخر كبير يقف جدارا حصينا أمام نمو الديمقراطية في بلادنا ألا وهو الشعور الزائد بالذات وعدم المبالاة بالغير عكس ما وصف به الشارع المسلمين بينما تجد الدول الديمقراطية الغربية تقيم الأرض ولا تقعدها لصالح ممرضة أدخلت عمدا المرض الخبيث على عشرات من صغارنا الأبرياء، ورب تاجر مخدرات أوربي يضبط متلبسا في تايلاند فتكلف الوزارة والسفارة بفعل كل ما في وسعهما لتخليصه.
معوقات جيوسياسية
يقع بلدنا في منطقة حساسة بين مناطق النفوذ الفرنسي في شمال وغرب إفريقيا أصبحت موريتانيا من المعابر الرئيسية للهجرة غير الشرعية في اتجاه أوروبا لا يفصل بين بلدنا والولايات المتحدة إلا المحيط الأطلسي وهو ما يجعلنا في الحيز الأمني للقوة العظمى.
تشكل منطقة الصحراء الكبرى، التي يعتبر بلدنا من أكبر بواباتها، هدفا أمنيا بالغ الحيوية على الأصعدة التالية:
تأمين منابع الطاقة من بترول وغاز
مكافحة الإرهاب
مكافحة أنواع التهريب
وعلى ما سبق قد يكون من أهم ما يبتغيه الغير منا هو الاستقرار والقدرة على توفير الأمن ومكافحة الإرهاب وأنواع التهريب.

3. آفاق التطور الديمقراطي في موريتانيا
الجيش والسلطة
كان من المعقول أن أتكلم عن الجيش في كلامي عن المشهد الحالي إلا أنني رأيت أن الجيش لاعب خفي وأن ذكره ينبغي أن يكون في هذا الموقع إذ لا يمنحه الدستور إلا أن يكون جيشا جمهوريا يأتمر بأوامر السلطات المنتخبة وبرغم ذلك، فإن الجيش لا يزال لاعبا أساسيا في الساحة الوطنية منذ قرابة أربعة عقود ولا شك أن السلطة العسكرية الانتقالية أثرت بشكل واضح على المسار الديمقراطي الذي رعته بعين الأب الذي يريد دفع أبنائه ـ غير الراشدين في نظره ـ إلى ما يرى أنه يخدم مصلحتهم.
ليست المؤسسة العسكرية الموريتانية مؤسسة قوية ومتماسكة لديها رؤية موحدة للمصلحة العليا للبلد كما هو الحال في تركيا وعلى وتيرة أضعف كما هو الحال في الجزائر. لا توجد مؤسسات مدنية قوية ولا نضال شعبي لافت للنظر يدفعان إلى التقليل من ضغط الجيش على المؤسسات الدستورية المنتخبة كما في أميركا اللاتينية.
ثمة ضباط يرغبون في لعب دور أساسي دون أن يطلبوا تفويضا (عبر صناديق الاقتراع) من الشعب لذلك.

رهانات ضمان نجاح التجربة الديمقراطية
لا بد من تصحيح البدايات، وإلا فلن تكون هنالك دولة حتى تنعت بالديمقراطية بل نبقى كما نحن تحت وطأة زمرة من المستبدين يفضلون الملك في جهنم على عيش العبودية الرغد في الجنة، ومن الأهداف التي يتعين السعي العاجل لتحقيقها ما يلي:
بناء دولة مؤسسات تقوم فيها كل مؤسسة بالوظيفة الموكلة إليها من خدمة الوطن والمواطنين وتحاسب على هذا فقط وليس على حسن ولاء موظفيها للحاكم.
إقامة دولة القانون التي تطبق قوانينها بالسوية على الناس ولا يظلم فيها مواطن بسبب ضعفه، وفقره، وعرقه وطبقته الاجتماعية أو معارضته للحاكم.
السعي الدءوب من أجل بناء الدولة الراعية التي تحمي مواطنيها وتيسر لهم إشباع حاجاتهم الأساسية حسب المستطاع إلا أنه بالإمكان الآن أن نحرص على أن يحصل المواطن على حقه دون وساطة ولا رشوة.

رهان العلم
ليتمكن شعبنا من ممارسة الديمقراطية بوعي ويحافظ عليها بحكمة يتعين علينا أن نولي العمل التربوي عناية فائقة تحتفي بالكم والكيف معا وتزاوج بينهما بحكمة ومهارة. وعلينا أن نضع نصب أعيننا في هذا الصدد جملة من الأهداف في مقدمتها:
تحقيق ديمقراطية المعرفة
خوض معركة منهجية وجادة ضد الأمية بجميع أشكالها الأبجدية والوظيفية والحضارية والالكترونية تحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز لتنمية المهارات العقلية والوجدانية والبدنية تزرع في نفوس الناشئة قيم وكفايات البحث والتحليل والقيادة والتميز وثقافة العمل الجماعي والإبداع والإتقان.
الأخذ بأسباب التحديث بالاستفادة من أحدث النظريات والمفاهيم واستخدام التقانات التربوية الملائمة تأصيل العمل التربوي بالاستفادة من موروثنا العريق في مجال اكتساب المعرفة وبمد جسور بين المدرسة والمحضرة
تحقيق التنمية
من المعلوم أن الفقر الشديد يتنافى، إلا عند الأبرار الذين يعصمهم الله، وأي قيَم وأخلاق نبيلة فقد كان الناس يقتلون أولادهم من إملاق ومن خشية الإملاق فما ظنكم بظلم غير الأولاد والحال هذه؟
و عليه فإن تحقيق الديمقراطية في بلدنا وقابليتها للاستمرار والتحسن مرتبط ارتباطا عضويا بتحقيق مستوى من النمو يضمن تلبية معظم الحاجيات الأساسية للمواطن ولن يتأتى ذلك إلا إذا تم الاستغلال الأمثل والأعدل للموارد المتاحة من أجل دفع عجلة التنمية المستدامة في بلدنا وفي سبيل بناء وطن صالح لعيش أبنائنا و أحفادنا.
4. أي مستقبل لديمقراطيتنا
خلاصة القول عندي هي أننا أمام احتمالين:
إذا وفقنا في بناء الدولة أعني دولة المؤسسات والقانون وخدمة المواطن وسعينا سعيا حثيثا نحو بناء الإنسان الموريتاني المتعلم والمتحضر والمتحلي بقيم الدين والعصر وما تتسم به من السماحة ورعاية حقوق الآخر وحققنا مستوى من النمو الاقتصادي تتوزع ثماره بالعدل ـ ولا أقول بالسوية ـ بين أفراد المجتمع فإننا في هذه الحال سنضمن استقرار بلدنا وتثبيت دعائم ديمقراطيتنا وستدعم القوى الدولية هذا المسار
وإن لم نقم بهذه الخطوات فإن الغير سيدفعنا إلى حيث تتحقق مصالحه وهذه المصالح هي ضعف الدولة وتقاعسها عن الدفاع عن المصالح الوطنية بالنسبة للجيران. وبالنسبة للقوى الدولية فإن مصالحها تكمن في إيجاد حكم قوي ولو كان مستبدا وظالما لشعبه، فالمهم عندهم هو أن يساعد النظام الموريتاني في الحرب ضد الإرهاب وأن يساعد في تأمين منابع الطاقة وأن يحمي أوروبا من الهجرة غير الشرعية
5. المواقف التي قد تساعدنا في إنجاح ديمقراطيتنا
بعد ما ذكرت آنفا من ضرورة تصحيح البدايات وما يترتب على ذلك من بناء دولة المؤسسات والقانون الخادمة للمواطن فإنني، في مواجهة خطر العودة إلى نظام ما قبل 3/8/2005 مع تغيير طفيف في بعض اللاعبين الرئيسيين، أرى أن الأمر يتطلب قيام حكومة وحدة وطنية تسهر على تمتين دعائم الدولة وتثبيت المسار الديمقراطي وتجنبه الانحرافات الخطيرة . ولا بد في هذه المرحلة الحساسة أن تقام أيام تشاوريه تتفق فيها القوى السياسية على برنامج دقيق من أجل تصحيح البدايات والسهر على مصلحة البلاد والعباد.
كما يتعين على وسائل الإعلام الاتفاق هي الأخرى على مدونة سلوك مهني سوي، يخرج بها من وضع التبعية لهذا الطرف أو ذاك والتحامل بدون مبرر على هذا الطرف أو ذاك، والركون للشائعة بدل البحث عن الحقيقة والالتزام بها. فعلى إعلامنا أن يكون حافزا للإصلاح والتنمية، رقيبا على السلطات العمومية، متحريا للحقيقة فيما ينشره، ناشدا المصالح العليا للشعب، منفتحا على الرأي والرأي الآخر، في حدود ما تتيحه القوانين والقيم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

تابع الخبر والتحليل في يومية الحوار