جريدة الحوار


في موريتانيا: الماء يساوي وزنه ذهبا

يونيو 17th, 2007 كتبها alhiwar نشر في , اخبار, التحليلات السياسية, تحقيقات, مقالات

بائعو المياه المتجولون يجمعون الثروات في احياء نواكشوط الفقيرة مستغلين حالة الحر الشديد وضعف امدادات المياه

في احياء بوحديدة وعرفات وتوجنين  الفقيرة، احدى اكبر تجمعات الاكواخ في نواكشوط، يجول محمود الشوارع الصغيرة بعربته المحملة ببراميل المياه، السائل الثمين الذي اصبح يباع اليوم باسعار خيالية.

.الرئيس في شغل شاغل بالاتصال بمشايخ القبائل استعدادا لانشاء حزبه الجديد بعد ان صالح وتعاقد مع كافة اقطاب العبة الشسياسية الفرسان - الاسلاميين - البعثيين - الناصريين - لحراطين - الزنوج اما الشيعيون فهم اسياد العبة الجديدة رغم اكتفائهم بالدور دائم لهم منذو ظهورهم في الساحة السياسية وهو التحكم بمقاليد السلطة بواجهة لاتمت لهم بصلة

ويشرح لفاطمة التي لا تملك المال الكافي على ما يبدو لشراء برميل سعة 200 ليتر وسعره يوازي يورو واحدا ان "الينابيع بدأت تنضب والمياه تباع بسعر اغلى، ونحن لا نقوم الا باضافة هذه الزيادة على اسعارنا".

لكن لفاطمة اسبابها للتذمر، فهذه التعرفة هي اعلى بمرتين عن السعر المعتاد الذي يتقاضاه اولئك الباعة على العربات، وهم المزودون الرئيسيون بالمياه للاحياء المحرومة التي لا تصلها الشبكة الحديثة لتوزيع الميا

المزيد


التحديات الاستراتيجية للديمقراطية الموريتانية

يونيو 17th, 2007 كتبها alhiwar نشر في , التحليلات السياسية

 

الأستاذ/ محمد يحظيه ولد ابريد الليل*

 الديمقراطية ليست نهاية التاريخ، وربما تكون بمعنى من المعاني نقطة بدايته لأن جميع الآمال تفتح، وكل الأحاسيس المحبوسة والمسكوت عليها تطفو على السطح، وكل المطالب يعبر عنها صراحة وكل الموانع والمحظورات ترفع. العراقيل والصعوبات والتحديات وحتى المخاطر لا تنتهي بسبب بسط الديمقراطية أو بسبب إعلان نتائج انتخابات حرة وشفافة.
الديمقراطية هي مجرد صيغة تتيح للشعب إمكانية اختيار قادته وطرح المشاكل بطريقة أخرى وبوسيلة أكثر ملاءمة وأكثر صراحة، بروح مواطنة أكثر انسجاما مع العقل.
مسؤوليات ومهام وواجبات الدولة تبقى تامة وخاصة أمام التحديات الاستراتيجية المطروحة على عاتق كل دولة مهما كانت، ديمقراطية أو مستبدة. هذه المسؤوليات تتعاظم وتتضاعف بالنسبة للدول الصغيرة ليس فقط لكثرة وإلحاح الحالات الاجتماعية والاقتصادية المستعجلة التي تتدافع ولكن أيضا وأساسا بسبب حالة شريعة الغاب التي تحكم المجتمع الدولي والتي تسود فيها الحسابات الأنانية والجشع والأطماع والمنافسات، بدلا من العدالة والإنصاف وحب الغير. وكما أنه لا توجد ضمانة اجتماعية للدول المريضة أو المصابة بالضعف أو الضعيفة من الأساس، فإن الدولة التي تتميز بالوعي والمسؤولية، مع كونها موجودة في الفرن والمطحنة، تتقاذفها المهام اليومية، عليها أن لا تنام إلا نوم الأرنب - بعين واحدة- لتتأكد باستمرار أنها ليست في طريقها إلى الحصار أو أنه لا يوجد حصان طروادة، مطلي بألوان العدالة والحق، في قلب القلعة.
قيادة شؤون الدولة هي باستمرار كشوكة الميزان متأرجحة بين الجراحات الداخلية والتهديدات الخارجية وتتزايد مصادفات اللعبة عندما ينضاف الاضطراب الشعبي وفساد الحكام إلى الريبة الدبلوماسية.
لا يمكن لأية دولة أن تبقى سلبية أو تتكل على طيبة الجيران وحماية الأصدقاء دون أن تعرض نفسها لأن تصبح مادة لصراع الآخرين وهدفا لرهانهم، وبالعكس عندما تقوم الدول الصغيرة باستعمال إمكانياتها في المناورة، مهما كانت ضئيلة، فإنها تصبح صانعة استراتيجيات، أي أنها أصبحت عامل مصادفة أو اضطراب للآخرين. عند ذلك تصبح من فاعلي اللعبة الدولية وتصبح سياستها سندا لمصالحها وعنصر دفاع عنها ضد التطاولات الأجنبية والهيمنات الاقتصادية.
المناورات الدبلوماسية يجب عليها أن تندرج في إطار استراتيجية عامة، ومركبة إذا تطلب الأمر. بالنسبة لحكومة تنزع إلى منع تنامي الأخطار أو خلق المزيد منها، فإنها تصبح أداة لرقابة التأزمات. إن السيطرة على أزمة لا تعني بالضرورة تلطيفها ولكن، في الغالب، استعمالها لغاية استراتيجية معينة، أي لتقدمها في اتجاه أهدافها. ولكن الاستراتيجي يجب أن لا يخطئ في غايات سياسة منافسيه. 

    I- المقاربة الاستراتيجية:

 في الأصل الاستراتيجية مفهوم عسكري. وأكبر منظر معروف للاستراتيجية، وهو اكلوز فيتش، يحددها كما يلي: "الاستراتيجية هي النظرية التي تعني باستعمال المعارك في سبيل الحرب"، ولكن الاستراتيجي الألماني لم يقبل أن يفرق بين الحرب والسياسة: "الحرب الواقعية أو الفعلية ليست مجهودا منسجما ولا يبلغ مداه كما يجب أن يكون حسب مفهومها ولكنها شيء مزدوج، تناقض في الذات. في هذه الصورة لا يمكن للحرب أن تتبع قوانينها الخاصة، ولكن يجب أن ينظر إليها كجزء من كل يختلف عنها وهذا الكل هو السياسة…. فن الحرب هو سياسي في أعلى مستوى له ولكنها سياسة تخوض معركة بدلا من أن تحرر مذكرات دبلوماسية".
مفهوم الاستراتيجية أصبح استعماله ساريا في السياسة، ولا شك أن اكلوزفيتش شارك أكثر من غيره في ذلك التحول، والسياسة بدون استراتيجية هي هزال وخمول وتخبط تافه. ويجب أن لا ننسى أن اللجوء إلى السلاح نفسه هو إحدى الاستراتيجيات الممكنة في ظروف معينة وتحت إملاءات وإكراهات قاهرة، ولذا وُجهت إلى قادة الدول، منذ عهود قديمة، هذه التوصية الغامضة: "إذا كنتم تريدون السلم فهيئوا الحرب".
هذه التوصية كملتها الملاحظتان التاليتان في العهود المعاصرة، الأولى:" الفراغ العسكري أخطر من التخمة العسكرية" والثانية: "تأثير الضعف لا يقل خطورة على السلم من الإفراط في القوة".
إذا كانت الإرادة في استعمال القوة عديمة فإن أعتى القوات قد تصبح فاقدة لأي تأثير ردعي أو إقناعي ولذلك السبب فإن دولة مسؤولة عليها أن لا تتباهى أكثر من اللازم بسياستها المسالمة. إن ممارسة سياسة الردع هي جزء من الدبلوماسية الوقائية. وحسب تعبير افريدريك الثاني: "إنه من الأفضل أن تستبق وقائيا بدلا من أن يوقى منك"، ونحن نعرف أن الرجل يدري ما يقول.
 
 من حيث المبدأ يمكن الحديث عن الاستراتيجية من ثلاثة زوايا: 
1- في حالة تهديد أو خطر كامن.
2- في حالة طموح أو إرادة أو تطلع إلى أهداف أساسية أو إلى مستويات تعتبر مشروعة أو لازمة على المستوى المتوسط أو البعيد.
3- في حالة انشغال أو اهتمام بالحفاظ على وضع معين، بدون هدف  إيجابي، إذا صح التعبير، بل بهدف سلبي بمعنى أن الهدف ليس الحصول على شيء جديد أو إضافي ، فقط للحفاظ على حالة سكون.
 يثرينا اكلوزفتيش حول الاستراتيجية بهذه العبارة: "في الاستراتيجية كل شيء بسيط، وهذا لا يعني سهلا"، وعلينا أن نفك الرمز: يعني صعبا جدا. ويوضح اكلوز فيتش ما يعني: "كل عمل في الاستراتيجية يتحقق في نوع من الغسق يعطي للأشياء مسحة ضبابية أو قمرية، بُعدا مغاليا، توجها مضخما وغريبا.. في الواقع فإن العلاقات المادية بسيطة جدا. الشيء الصعب هو فهم القوى المعنوية التي تدخل اللعبة".
الاستراتيجية هي مجال الكميات الضخمة والفضاءات الواسعة والمديات الطويلة، بينما هو العكس بالنسبة للتكتيك. مفهوم الاستراتيجية يوحي، على الأغلب، بهدف بعيد أو صعب المنال. فهي مقاربة كثيرا ما تكون متعرجة أو مركبة، تشرك عدة عناصر أو عدة عمليات وتنسق عدة سياسات أو مبادرات من أجل الوصول إلى هدف يعتبر أساسيا، لا تتمكن عملية واحدة، أو بالأحرى عملية خطية، أن تحققه، ولا يمكن التطور الطبيعي المنتظر من الوصول إليه في الزمن المناسب. بالنسبة لكلوز فيتش يجب أولا، قبل كل شيء، تحديد المهام الرئيسية، وإذا أمكن أن تهيمن عملية رئيسية واحدة. وفي كل الحالات يجب إبقاء المهام الثانوية في أقصى أنواع الخضوع. في حياة الدول يتكشف، مع الأسف رغما عنا، أن حشدا كبيرا من المهام الرئيسية يتزاحم على الأفضلية من أجل أن ينال الأسبقية.
بعد تحديد الاستراتيجية تصبح كل المهام في حالة خضوع وغايتها وهدفها المساهمة في نجاح الاستراتيجية. إن الاستراتيجية هي التي تحدد لها أهدافها التكتيكية ومراحلها الوقتية وتدرجها التسلسلي على مقياسها هي وإيقاع نبضات قلب كل منها.
هذه المقاربة الخاصة بالاستراتيجية تثريها ميزة مرافقة لازمة وهي المنطق التناقضي. مجال الاستراتيجية يحكمه المنطق التناقضي الخاص به، والمغاير للمنطق الخطي العادي. هذا المنطق يبينه المثل الروماني الشهير: "إذا كنت تريد السلم فعليك أن تحضر الحرب"، كما يوضحه غالبا امتناع الاستراتيجية عن البحث عن الحل الأمثل لصالح حلول أخرى أكثر تعقيدا، من شأنها أن تُخفي أو أن لا تتعرض لإجراءات مضادة والبحث عن "الخط الأقل عرضة لأن يتنبأ به".
 المقاربة الاستراتيجية تنطبق على السياسة الداخلية، بدون أن تقتضي بالضرورة المنطق التناقضي، ولكن المنطق التناقضي ينسجم تماما مع مجالات العمل الخارجي للدولة مثل: الدبلوماسية والدعاية والعمليات السرية وممارسة التأثير الاقتصادي، إضافة بالطبع إلى حالة نزاع أو اصطدام جار أو في جو ينذر بوقوعه. 
 

 II- التحديات الاستراتيجية:

التحديات الاستراتيجية التي نحن بصددها هي في الواقع أهداف لاستراتيجية أو لاستراتيجيات يجب تحديدها أو بناؤها، وتهتم أساسا بالوضع الداخلي في ما هو جوهري للمجموعة الوطنية. في هذه المرحلة لا يجوز لأي أحد أن يعفي نفسه من الخوض في اقتراح، كما يقول المفكر الفلسطيني البارز إدوارد سعيد، الأستاذ السابق في هارفارد: "نظرة للغد تطرح القضايا الوجدانية لمستقبلنا كشعب". إدوارد سعيد يعني طبعا العرب ككل.
 بشكل عام فإن واجب الدول الأول هو الدفاع عن الفضاء والرجال والروح، الروح تعني الكائن المعنوي لشعب معين، في خصوصيته وتميزه السوسيولوجي والثقافي كنتاج للتاريخ.

 أ- الفضاء الجغرافي
:
الفضاء هو المجال الجيوغرافي والقانوني المحدد بإقصاء أحقية الآخرين. "البلد محمي، يقول اكلوز فتيش" ما دامت الحدود مدافعا عنها"
.
أ- الفضاء الجغرافي:

 بقيت الصحراء لزمن طويل، لمدة قرون، هي غطاؤنا الخارجي الواقي. لم يتمكن الاستعمار من اختراقها إلا بعون بعضنا الذين ساعدوه على دخولها ولكنه في الواقع لم يتحكم فيها. بإمكاننا أن نقول إنه هيمن عليها نظريا، كمحمية وليس كمستعمرة. بقيت الصحراء لا ينفذ إليها، رافضة للغير، صعبة الإنقياد، لذلك بقيت لنا، كمنزلنا الخالص، المألوف والأليف، الذي نشعر فيه بالحرية، في مأمن من المتطفلين. النظام والأمن مصانان حقيقة من طرفنا، أحكام العدالة تصدر عنا بما فيها أقصى العقوبات، وهو حكم الإعدام، دون علم المستعمر. السلاح متداول ومنتشر بكل حرية، مع أنه محظور أشد الحظر من طرف المستعمر.
إن الصحراء الكبرى كانت تحمينا من الشمال والشرق مثل الفراغ الاستراتيجي الروسي، شرق جبال الأورال، الذي يحمي الروس على مدى آلاف الكيلومترات نحو الدولة الصينية التي كانت لا تشكل إلا خطرا هامشيا للغاية على الحدود الروسية.
ولكن الزمن تغير، ميكانيك الآلات العصرية، وخاصة السيارات العابرة للصحاري، بدلت هذا الأمن إلى ضعف قابل للاختراق.
على مرتين متتاليتين، عام 1976 وعام 1977، وصلت إلى نواكشوط، دون أن تكتشف طوابير سيارات عسكرية، منطلقة من تيندوف، وقصفت بشكل مفاجئ العاصمة. خلال نفس الفترة، فترة حرب الصحراء الغربية، هاجمت مجموعات من السيارات المسلحة، منطلقة من قواعدها في تيندوف كلا من باسكنو، النعمة، ولاتة، تيشيت، تجكجه، شنقيط، وادان، وازويرات. على مدى جبهة استراتيجية بهذا الامتداد يكون طلب الاكتشاف المبكر من الجيش الموريتاني، تعجيزيا مثل طلب اكتشاف نملة في منطقة آوكار الذي يقال إن الغزلان كانت تضل فيها أبناءها.
في سنة 2005 هاجم كوماندوز أو قوة محمولة على السيارات، قادمة على الأرجح من الصحراء الجزائرية، ثكنة المغيطي المعزولة، في الحنك.
إن آلاف الكيلومترات غير المضيافة في الشمال والشرق وخلو الوسط والشمال الصحراوي،  من السكان، وانعدام المراكز المأهولة، والتخلي التام عن هذه المناطق خلال الثلاثين سنة الماضية، حوّل هذا القفر الشاسع الذي كان هو نقطة قوتنا إلى نقطة ضعف. إنه ظهر الآن على ما صار عليه دون أن نشعر والذي نكتشفه اليوم بذعر: بطنا رخوا، أرضا شاسعة من المحال، عمليا، مراقبتها بالصيغ المألوفة. ويتساءل المرء هل التدابير العسكرية الكلاسيكية ما زالت مجدية ومناسبة، وهل لا يجوز أن نبرهن على قوة خيال ونستنجد التقاليد الحربية المحلية، لاختراع نظام دفاع مناسب. على طول هذه الحدود الصحراوية يسود إما انعدام الأمن وإما عدم الاطمئنان.
 السلم المسلح ـ أو وقف إطلاق النار على الأصح- بين جبهة البولسياريو والمغرب  هش ولا أحد يمكنه الرهان على أن ذلك الوضع ل

المزيد


تعليق معالي العلامة عبد الله بن بيه على كتاب "لا اكراه في الدين اشكالية الردة والمرتدين"

مايو 19th, 2007 كتبها alhiwar نشر في , التحليلات السياسية, مقالات

عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيــّه

بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اتبع هداه

لقد طالعتُ باهتمام تأليف العلامة الفاضل الشيخ الدكتور طه جابر العلواني بعنوان: "لا إكراه في الدين: إشكاليَّة الردّة والمرتدين من صدر الإسلام إلى يومنا هذا" .

وقد راجعتُ هذا التأليف لثلاثةِ أسباب:

أولاً: أنَّ فضيلةَ الدكتورِ طلبَ مني مراجعتَه لإبداءِ الرأيِ وأنه يعزُّ عليَّ أن أُعرضَ عن طلبه لما أشعر به نحوه من الود ولما ألمسه من الإخلاص.

ثانياً: أن الدكتورَ طه ليسَ علمانياً يبحث عن هدم الدين بمعاول التشكيك والتفكيك، بل هو رجلٌ مدافعٌ عن هذا الدين قولاً وعملاً منذ نعومة أظفاره، وقد ابتُليَ في هذه السبيل ‑ ضاعف الله أجره‑ وما صدَّه ذلكَ عنِ الدعوةِ وإقامةِ الحجَّة.

ثالثاً: أنَّ الشيخَ طه ليس من نوعية المفكرين أو المثقفين الذين يعالجون قضايا الإسلام والشريعة من خلال منظوماتٍ فكريةٍ خارجةٍ عن المناهج المعتمدة عند علماء المسلمين، بل هو عالمٌ أصوليٌّ ضليعٌ يتعاملُ مع موضوعاتِه بواسطةِ الأدواتِ المتعارفةِ تعضيداً وتفنيداً وجرحاً وتعديلاً وتفريعاً وتأصيلاً.

والشيخُ عالمٌ من علماءِ الشريعةِ، وكونُه عالماً من علماء الشريعة يقتضي حقَّ الحرمة ولا يقضى باستحقاق العصمة.

لهذه الأسباب أردتُ أنْ أكتبَ هذا التعليق، مع الاعتذار بأني لم أعطِ هذا الموضوع ما يستحق ؛ لكثرة الشواغل والصوارف التي لم تسمح لي بإنعام النظر والإمعان في البحث حتى يكون على مستوى ما يتوقع في قضيةٍ لها أهميةٌ . قضيَّةُ الردَّة والخروجِ عنِ الدِّين .

وسبق لي أنْ أعرضتُ عن عروضِ بعضِ وسائلِ الإعلامِ للنزولِ في حلبةِ الجدلِ الدائرِ في جملة من القضايا، ومنها هذه القضية ؛ لا نكوصاً عن إظهارِ ما اعتقدُه صحيحاً فيها، ولكنْ لأنَّ هذا الجدلَ تَعُوزه السكينةُ، ويُعْوزه الإنصاف، ويدخلُ أحياناً في دائرة الاتهام والصخب والإسفاف.

‑ وبالله سبحانه وتعالى استعين ‑

فأقول ما يلي:

إنَّ هذا التأليفَ الذي قدَّم هذا الموضوع من جميع جوانبه وزواياه التاريخية والحالية ومئالاته المستقبلية، وتوقَّف طويلاً مع الدليل وما يعتريه من أوجه العلل والقوادح وأقوال الفقهاء، ولهذا فقد أثار جملةً غيرَ يسيرةٍ من القضايا، وإنْ كانتِ الغايةُ التي يرمِي إليها والهدفُ الذي يتوخَّاه وهو حكم المرتد في شريعة الإسلام إلاَّ أنَّه مهَّد له بما يشبهُ تحقيقَ المناط.

وإني أتفقُ مع الكثير مما أوردَه في تلك المقدماتِ الممهداتِ، وبخاصة في سوء استغلال الشرعِ العزيزِ في مسألة التكفير ودعوى الارتداد . وقد كنت شخصياً معنيّاً بهذا الموضوع منذُ سنواتٍ ؛ حيثُ نُشرَ لِي بحثٌ في مجلة "البحوث الفقهية المعاصرة" في نفس الموضوع، ونشرتُ أخيراً عدة مقالات في جريدة "الشرق الأوسط" ؛ تركَّزت حول خطورة ظاهرة تكفير الناس ومنافاتها للدليل ؛ وأنها في مئالاتها تؤدى إلى الفتنة والضياع، ممَّا حملَ بعضَ المعلقين على القول بأني لا أوجبُ قتلَ المرتدِّ غيرَ أني لا أجسر على قول ذلك ! وقد لا يكون الأمرُ كذلكَ ولهذا فالهمُّ مشترك.

كما أني أوافقه على سوء استغلال الطرف المقابل لفتاوى التكفير ؛ حيثُ يصبحُ ضحاياها أبطالاً في بيئةٍ عالميةٍ، انعدمتْ فيها الخصوصيةُ وغابَ فيها التسامحُ الثقافيُّ، وبخاصة مِن قبَل أولئكَ الذينَ يدَّعون أنهم دعاةُ التسامحِ والتعايشِ.

كلُّ تلك المعاني التي أشارَ إليها فضيلتُه لا أختلف معه في دلالاتها ولا في المئالات التي تفضي إليها الفتاوى والتصرفات، والتي ينبغي أن تؤثِّر على الفتوى الفقهية في الزمان والمكان.

قدْ يكونُ من المناسب ونحن في المقدمات أن نشيرَ إلى ثلاث نقاط:

أوُّلها: ما يتعلق بمصطلح "الحد"، فقدْ لا أتِّفق مع ما ذُكر من أنه عدولٌ عن المصطلح القرآني، بل هو قصرٌ للمصطلحِ القرآني على بعضِ أفرادِه ؛ وذلك مبرَّر لسببين: السببُ اللغويُّ، وقد أشار إليه فضيلته، فإنَّ الحدَّ هو الفاصلُ بينَ شيئينِ الحاجزُ بينهما، وضرورة التعريف والتفريق بين العقوبات المحدودة بالنص وبين العقوبات المتروكة للاجتهاد تبرِّر هذا المصطلح.

السبب الثاني استعمالُ كلمةِ "الحد" في الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، كقوله عليه الصلاة والسلام لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله». وعليه فإني أرى أنَّ الفقهاء ما عدلوا عن المصطلح القرآني بل تصرَّفوا فيه بما تقتضيه ضرورات "التقنين الفقهي".

النقطة الثانية: ما يتعلق بالتراث اليهودي، وإني أتفق مع فضيلته في أنَّ هذا التراث حاول التسرب إلى الشريعة، ولكن علماء المسلمين انتبهوا لذلك منذ وقت ليس بالقصير ؛ فقد قرَّر أهلُ الحديث: أنَّ الصحابيَّ أو التابعي الذي ينظر في كتب أهل الكتاب لا يُعتبر كلامُه من نفسه في أمور الغيب مرفوعاً إلى النبي  rوقالوا: إذا عُرف الصحابيُّ بالنظر في الاسرائيليات، كعبد الله بن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب، وكعبدالله بن عمرو بن العاص ؛ فإنه حصَّل في اليرموك كثيراً من كتب أهل الكتاب ؛ فكان أصحابه يقولون له حدثنا عن النبيr ولا تحدثنا من الصحيفة. قال السخاوي في فتح المغيث بعدما ذكر ذلك: فمثل هذا لا يكون حكمُ ما يخبرُ به من الأمور الغيبية الرفعُ لقوَّة الاحتمال.

أما أهلُ الأصول فاشترطوا في مسألةِ كونِ شرعِ مَن قبلنا شرعاً لنا ‑على القول به‑ أن يكون ثبت بشرعنا، وإلا فلا يعتد به، وهو أمر مؤيد بقوله تعالى ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. ومع ذلك فقد بقيتْ أخبارُ هؤلاء في كتب التفسير مأخوذةً من كتبهم أو مرويَّة من أحبارهم.

وأحسبُ أنَّ تأثيرها في فروع الشريعة كان ضئيلاً وإن كانت قد أثَّرت إلى حدٍّ ما في الثقافةِ وفي المقولات الكلامية.

النقطة الثالثة: وهي مسألةُ هيمنة القرآن على السنة. وهي مسألة تحتاج إلى توضيح: فالقرآن والسنة من مشكاة واحدة هي مشكاة النبوة ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ ، وهذا الإشكال لم يُطرح في الصدر الأول إلا من زاوية الثبوت، فالقرآنُ متواترٌ محفوظٌ، والسنَّة قد تردُ آحاداً، وبالتالي تضعفُ الثقةُ في نسبتها إليه عليه الصلاة والسلام، ومن هنا جاءَ قولُ عمرَ رضي الله عنه في قضيةِ فاطمةَ بنتِ قيس: ”لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت“، وقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها في رد حديث ابن عمر «إن الميت ليعذب ببكاء أهل عليه» إنه عليه الصلاة والسلام لم يقلْ هكذا محتجَّة بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى﴾ .

ومن هنا اختلفتْ أنظارُ العلماءِ في التعامل مع خبر الآحاد إذا خالفَ القواعدَ أوِ القياسَ أو عملَ أهل المدينة إلى آخر ما يعلمه فضيلتكم في المباحث الأصولية. وعندما دوَّن الشافعي أصولَ الفقه ووضعَ اللبناتِ الأولى لقواعد الاستنباط وترتيبِ الأدلة ؛ جعلَ القرآنَ والسنَّةَ في مرتبةٍ واحدةٍ ؛ مستدلاً بالآيات التي جعلتْ طاعةَ رسولِ اللهِ r طاعةً للهِ، إلا أنَّه أشارَ إلى أن السنة مبيِّنةٌ للقرآن، وما إخالُ البيانَ يختلفُ كثيراً عن الإنشاء في فهم الأوائل كما سنذكره.

وقد تعاملَ العلماءُ مع نصوصِ السنَّة تعاملَهم مع القرآن إذا ثبتتْ ثبوتاً لا يرتقي إليه شكٌّ بالتواترِ أوِ الاستفاضةِ مع وضوح الدلالة، وبخاصة السنة العملية في الصلاة والصوم والحج، إلا في حالاتٍ ليستْ بالكثيرةِ كموقفِ أحمدَ من عدمِ إمكانِ نسخِ السنَّة للقرآن، ونحوها من القضايا المبثوثة في كتب الفقه والأصول.

وإن كانت قد حصلتْ مواقفُ من بعض الطوائف الإسلامية في موضوعِ السُّنة إلاَّ أنَّ هذا هوَ المنهجُ العام والطريق اللاحب.

هذا من باب الإشارة إلى موضوعٍ لا أشكُّ أنكم أدرَى به.

وفي رأيي أنَّ نصوصَ القرآنِ والسُّنة تتضامنُ وتتكاملُ، وأنَّ كلياتِ القرآنِ هي نفسُها الكلياتُ التي أكدَّتْ عليها السُّنة وزادتها بياناً، ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ فكلُّ ذلك مِن عندِ الله إلاَّ أنَّ بعضَ الكلياتِ يعتريهِ التخصيصُ، وأحياناً تظهر فروعٌ تتجاذبها كلياتُ فتترجَّح بينها وبعض الكليات الأخرى لا يعتريه تخصيصٌ . وقد أشار الشاطبي إلى ذلك في العام حيث يقول: :"المسألة السابعة": العمومات إذا اتَّحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكرَّرت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص؛ فهي مُجراة على عمومها على كل حال، وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل.

والدليل على ذلك الاستقراءُ؛ فإنَّ الشريعةَ قرَّرتْ أنْ لا حرجَ علينا في الدين في مواضعَ كثيرة، ولم تستثنِ منهُ موضعاً ولا حالاً، فعدَّه علماءُ الملَّة أصلاً مطِّرداً وعموماً مرجوعاً إليه ؛ من غير استثناء، ولا طلبِ مخصِّص، ولا احتشام من إلزام الحكم به، ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام.

وأيضا قرَّرتْ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ فأعملتِ العلماءُ المعنَى في مجارى عمومه، وردّوا ما خالفه من أفراد الأدلة بالتأويل وغيره؛ وبينتْ بالتكرارِ أنْ «لا ضرر ولا ضرار»؛ فأبَي أهلُ العلمِ عَن تخصيصِه، وحملوه على عمومه، وأنَّ «من سَنّ سُنَّة حسنة أو سيئة كان له ممَّن اقتدى به حظٌّ ؛ إن حسناً وإن سيئاً». وأن «من مات مسلماً دخل الجنة ومن مات كافراً دخل النار».

وعلى الجملة؛ فكلُّ أصلٍ تكرَّر تقريرُه وتأكَّد أمرُه وفُهمَ ذلكَ مِن مجارِى الكلامِ فهوَ مأخوذٌ على حسَب عمومِه . وأكثرُ الأصولِ تكراراً الأصولُ المكِّية؛ كالأمرِ بالعدلِ والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وأشباه ذلك.

فأما إن لم يكن العمومُ مكرَّراً ومؤكداً ولا منتشراً في أبواب الفقه؛ فالتمسكُ بمجرَّده فيه نظرٌ ؛ فلا بد من البحث عما يعارضُه أوْ يخصِّصه، وإن

المزيد


رؤية موريتانيا 2020 مشروع دراسة استشرافية

مايو 19th, 2007 كتبها alhiwar نشر في , التحليلات السياسية

 

 

محمد السالك ولد ابراهيم
"اصنع مستقبلك قبل أن يصنعه لك الآخرون" ما هو مشروع رؤية موريتانيا 2020؟
يتشرف المركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل - من خلال هذه الورقة- بالإعلان عن طرح فكرة مشروع دراسي استشرافي كبير حول مستقبل موريتانيا، يتصف بأربع خصائص أساسية هي الجدية، المهنية، التشاركية و التطوع. هذا المشروع الدراسي يحمل عنوان "رؤية موريتانيا 2020 مشروع دراسة استشرافية. و يحل هذا الاعلان محل دعوة مفتوحة موجهة الى جميع المفكرين و الأكاديميين و الباحثين الموريتانيين في الداخل و الخارج للمشاركة و التفاعل مع هذه الفكرة .

وذلك بغية التواصل فيما بينهم من اجل مناقشة مسودة الشروط المرجعية و وضع الأسس العامة لهذا المشروع الدراسي و مناقشة حيثياته المختلفة و الاتفاق على الصيغ و الاجراءات العملية لوضع التصور الاولي و مناقشته ثم المصادقة عليه بصفة تشاركية و كذا بحث و مناقشة الجدول الزمني لأنجاز المشروع و اجراءات التنفيذ و المتابعة و التنسيق.
لماذا مشروع رؤية موريتانيا 2020 ؟
في ظل عولمة الظواهر والأحداث المختلفة فى العالم المعاصر التي أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية للدول و ازدياد نسبة القرارات التى تمس حياة الناس فى مختلف الأوطان التي غدت تتخذ على نطاق يتجاوز الحيز الوطنى transnational فإن الدولة التى لا تمتلك خريطة واضحة المعالم والتضاريس لهذا العالم سريع التغير شديد التعقيد و لا تمتلك بوصلة دقيقة تعينها على تحديد مسارها الصحيح على هذه الخريطة، هى دولة تعرض مستقبلها لأخطار جسيمة. ذلك أن مستقبل هذه الدولة لن يخرج عن أحد احتمالين :
* الاحتمال الأول: إما أن يأتى هذا المستقبل محصلة لعوامل عشوائية متضاربة، أى أنه يخضع لاعتبارات من صنع المصادفة، لا من صنع العقل والتدبير والمصلحة الوطنية.
* الاحتمال الثانى: إما أن تتحكم فى تشكيل هذا المستقبل قوى خارجية لا يهمها من مستقبل هذه الدولة إلا بقدر ما يخدم مصالحها هى، سواء أكانت هذه المصالح متوافقة مع مصالح الناس فى هذه الدولة أم لم تكن. وفى كلتا الحالتين، يصبح مستقبل الدولة المذكورة مرهوناً بمقادير خارجية أو مصالح أجنبية، أى أنه يصبح معلقاً بعوامل لا دخل لإرادة المواطنين فى هذه الدولة فى تشكيلها أو التأثير فيها. وهذا بالقطع وضع بائس. وما أتعس الدولة التى تجد نفسها فيه.

لذا فإن الشعوب القوية هى تلك المدركة لما يحيط بها من تغيرات، والواعية بما يزخر به العالم من تناقضات وصراعات، وهى بالتالى الشعوب التى تسعى لصنع مستقبلها، أو على الأقل تسعى للمشاركة بفعالية فى صنعه. أما الشعوب الضعيفة فهى تلك الغافلة أو المنشغلة عما يجرى حولها، تاركة مستقبلها للمصادفات أو لأطماع الآخرين. فعندما لا تبادر دولة ما إلى صنع مستقبلها، ينشأ فراغ. ومن طبيعة الأشياء أن يسارع أصحاب المصلحة إلى ملء ذلك الفراغ. ومن ثم، فإنهم سيصنعون لتلك الدولة مستقبلها، ولكن على طريقتهم الخاصة وحسب ما تقضى به مصالحهم.
فإذا أردنا (كمواطنين موريتانيين) أن نشارك بفاعلية فى صنع مستقبل بلادنا، فعلينا إذن أن نمتلك الخريطة الواضحة لهذا العالم الجديد و أن نمتلك البوصلة التى نهتدى بها فى التعرف على الطريق إلى المستقبل الذى نريده - وهو ما يفترض ضمناً تحديد ملامح هذا المستقبل المرغوب فيه من جانبنا.
وهنا يصبح السؤال: وما الطريق إلى امتلاك تلك الخريطة وتلك البوصلة، وما السبيل إلى اختيار الطريق الذى يفضى إلى المستقبل الذى نطمح إليه، وكيف يمكن اكتشاف ملامح هذا المستقبل المنشود. والجواب عن كل هذه الأسئلة يكمن فى عبارة واحدة: الدراسات المستقبلية، أو بحوث استشراف المستقبل.

لم تعد الدراسات المستقبلية مجرد إهتمام تجريدي من باب الرفاهية الثقافية أو التسلية الذهنية، يمارسه مفكرون مترفون فى الدول الغنية وحدها (كما كان يظن سابقا)، بل إنها قد اصبحت ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها للدول كافة على اختلاف حظوظها من الغنى أو الفقر، و من التقدم أو التخلف، نظرا لطبيعة العالم الجديد وما يحفل به من تغير سريع واضطراب شديد ولا يقين متزايد، فضلاً عن أهميتها لترشيد عملية صناعة القرارات و ترشيدها.

إن الدراسات المستقبلية وإن كانت تتطلب بالضرورة قدراً من الخيال والقدرة الذاتية على التصور المسبق لما هو غير موجود أو غير معروف الآن، إلا أن أنشطتها تختلف نوعياً عن الأنشطة التى تقع فى حقل الخيال العلمى أو فى ميدان التنجيم والرجم بالغيب. فما يطلق عليه اليوم الدراسات المستقبلية إنما يتمثل - على العموم - فى دراسات جادة تقوم على مناهج بحث وأدوات درس و فحص مقننة أو شبه مقننة، وتحظى بقدر عال من الاحترام فى الأوساط العلمية، وتنهض بها معاهد ومراكز بحثية وجمعيات علمية ذات سمعة راقية. بل إن هذه الدراسات قد بلغت من النمو والرقى حداً يسمح بالحديث عن بروز فرع معرفي جديد هو علم المستقبليات.
ليس الهدف من الدراسات المستقبلية هو الإنباء بالمستقبل، بمعنى تقديم نبوءات مطلقة بالأحداث المستقبلية. فكل ما تقدمه الدراسات المستقبلية من مقولات حول المستقبل إنما هى مقولات شرطية واحتمالية. ولذا تتعدد المقولات أو الرؤى أو السيناريوهات المستقبلية التى يقدمها الاستشراف، نظراً لتعدد الشروط والاحتمالات التى تحيط بالحدث أو الأحداث المستقبلية موضع الاهتمام . وهذا الوضع ناشئ بطبيعة الحال عن ما تتسم به الأحداث المستقبلية من " لا يقينية " . ولا شك أن ما يتوصل إليه الاستشراف من سيناريوهات بديلة هو جزء مهم من أجزاء القاعدة المعرفية اللازمة للمخطط و صاحب القرار أيا كان و مهما خلفيته الطبقية او السياسية لاسيما إذا كان بصدد وضع خطط للمدى المتوسط أو البعيد، وإن كانت هذه السيناريوهات البديلة لا تشكل فى حد ذاتها خططاً بالمعنى المتعارف عليه فى دوائر التخطيط وصنع القرارات.
كيف الإستفادة من الدراسات المستقبلية:
مشروع رؤية موريتانيا 2020، كمشروع دراسي علمي حول استشراف رؤية مستقبلية - مرغوب فيها- لموريتانيا يمكن ان يستفيد من علم الدراسات المستقبلية من خلال المزايا التالية:
* إضفاء طابع مستقبلى طويل المدى على تفكيرنا الوطني و على ممارساتنا، بما يمثله ذلك من علامة مهمة على النضج العقلى والرشاد فى اتخاذ القرارات؛
* توفير إطار زمنى طويل المدى لما قد نتخذه من قرارات اليوم و من ثم العمل وفق نظرة طويلة المدى وبأفق زمنى طويل نسبياً؛
* استطلاع نتائج وتداعيات القرارات المتخذة حاليا على المسارات المستقبلية، فإذا كانت النتائج والتداعيات تسهم فى تشكيل المستقبل المرغوب فيه، فبها ونعمت، وإذا لم تكن تسهم فى ذلك، فإننا نسعى لتعديل هذه القرارات حتى تأتى نتائجها وتداعياتها متوافقة مع المستقبل الذى نريده؛
*الإنذار المبكر: اكتشاف المشكلات قبل وقوعها، ومن ثم التهيؤ لمواجهتها أو حتى لقطع الطريق عليها والحيلولة دون وقوعها؛
* إعادة اكتشاف أنفسنا ومواردنا وطاقاتنا، وبخاصة ما هو كامن منها، والذى يمكن أن يتحول بفضل العلم إلى موارد وطاقات فعلية؛
* استرجاع الدولة/الامة للثقة بالنفس و استجماع القوى وتعبئة الطاقات لمواجهة تحديات المستقبل؛
*إبتداع مسارات جديدة يمكن أن تحقق لنا ما نصبوا إليه من تنمية شاملة، متوازنة وسعادة في الدارين؛
* بلورة الاختيارات الممكنة والمتاحة وترشيد عملية المفاضلة بينها. وذلك بإخضاع كل اختيار منها للدرس والفحص قصد استطلاع ما يمكن أن يؤدى إليه من تداعيات، وما يمكن أن يسفر عنه من نتائج؛
* المساهمة في توفير قاعدة معرفية موضوعية لتمكين المواطنين من تحديد اختياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية على ضوئها؛
* المساهمة في الخروج بالنقاش الوطني من منطق المجادلات الأيديولوجية والمنازعات السياسية و الحزبوية العقيمة التى لا تبوح غالبا بالمسكوت عنه و تختلط فيها الأسباب بالنتائج و يصعب فيها تمييز ما هو موضوعى عن ما هو ذاتى - كما هو حاصل حالياً - الى تركيز المناقشة حول تعددية الخيارات المتاحة (ما هي البدائل الممكنة و ما هي تداعيات كل منها عبر الزمن) و من ثم، المفاضلة فيما بينها على أسس موضوعية؛
* توفير قاعدة معلومات مستقبلية للمخطط وصانع القرار، أى توفير معلومات حول البدائل الممكنة وتداعيات كل منها عبر الزمن، و نتائج كل منها عند نقطة زمنية محددة فى المستقبل؛
* ترشيد ما يجب أن يسبق عملية اتخاذ القرارات بشأن الخطط والسياسات من حوار وطنى على مستوى النخب وعلى مستوى الجماهير بقصد بلورة القضايا وبيان الاختيارات الممكنة، وما ينطوى عليه كل اختيار من مزايا أو منافع ومن أعباء أو تضحيات. إذ تؤمن التنبؤات المشروطة التى تقدمها الدراسات المستقبلية فرصاً أوسع للاتفاق أو للاختلاف على أسس واضحة. كما أنها تمكن من المساعدة فى حسم بعض أوجه الخلاف من خلال إعادة صياغة " الشروط الابتدائية " لبعض أو كل البدائل محل النقاش، وإعادة التحليل والحسابات فى ضوء الشروط المعدلة، ومن ثم الدخول فى دورات نقاش متتابعة لتقريب وجهات النظر والتراضى على اختيار محدد.
* تنوير و تفعيل المناقشات حول القرارات الوطنية من خلال تنمية أسلوب اتخاذ القرارات بمشاركة شعبية واسعة باعتباره نقلة نوعية كبرى فى طبيعة الحوارات الوطنية التى كثيراً ما تفتقر إلى جوهر" الحوار" و غالباً ما تقتصر على تسجيل المواقف و تبادل المجاملات أو الاتهامات؛

ما هي أهداف مشروع رؤية موريتانيا 2020؟
تتحدد رسالة المشروع الدراسي الاستشرافي رؤية موريتانيا 2020 من خلال الالتزام بالسعي نحو الإسهام الفعال في مسيرة الإصلاح و العصرنة والتنمية الشاملة و المتوازنة و تسهيل التحول الديمقراطي في موريتانيا وكذا تشجيع المشاركة المدنية و السياسية وتعزيز قيم المواطنة وتفعيل دور المجتمع المدني بمختلف مكوناته و مستوياته
و في هذا الإطار يهدف المشروع الدراسي الى محاولة إستثمار و توظيف عقلاني لثلاث أفكار أساسية تتسم حاليا بنوع من الإجماع حولها في المشهد الموريتاني و هي:
* أن التناوب السلمي على السلطة و التغيير و الإصلاح أمور ضرورية، و إذا ما أريد لها النجاح و الديمومة، فينبغي أن تتم من الداخل؛
* أن المجتمع المدني (بما في ذلك المنظمات غير الحكومية و النقابات والأحزاب السياسية و هيآت المنتخبين و الصحافة الحرة، إلخ…) شريك فعال في تحقيق الأهداف الإستراتيجية للتغيير و الإصلاح المتمثلة حاليا في إنجاح التحول نحو الديمقراطية و تحقيق التنمية المستدامة و تأمين المستقبل. و المجتمع المدني بهذا المعنى ليس خصما أو بديلا عن الدولة و مؤسساتها الحكومية بل هو جزء من الدولة و شريك و مساعد فعال للحكومة؛
* أن الطريق الأمثل و الأكثر أمانا نحو التغيير، يقتضي التركيز على بناء السياسات و البرامج و المشاريع الإصلاحية و التنموية على أساس متين من المعطيات العلمية الموضوعية المتأتية من ثمار البحث العلمي الرصين بدلا عن مصادر إخبار أخرى مشوشة بالخصومات السياسوية و صراعات المصالح و أشكال المضاربات spéculations المغرضة.

و إنطلاقا من وعي عميق لجدلية الترابط بين هذه الأفكار الأساسية الثلاث، يرمي مشروع رؤية موريتانيا 2020 الى تشجيع النخب الموريتانية – كل حسب مجال تخصصه و خبرته- و حشد جهودها بغية المساهمة في تحقيق الأهداف التالية:
* وضع تصور علمي مدروس حسب المعايير الدولية للدراسات المستقبلية و متشاور عليه على نطاق نخبوي و شعبي واسع لبناء مشروع ثقافي وطني لموريتانيا

المزيد