عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيــّه



بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اتبع هداه
لقد طالعتُ باهتمام تأليف العلامة الفاضل الشيخ الدكتور طه جابر العلواني بعنوان: "لا إكراه في الدين: إشكاليَّة الردّة والمرتدين من صدر الإسلام إلى يومنا هذا" .
وقد راجعتُ هذا التأليف لثلاثةِ أسباب:
أولاً: أنَّ فضيلةَ الدكتورِ طلبَ مني مراجعتَه لإبداءِ الرأيِ وأنه يعزُّ عليَّ أن أُعرضَ عن طلبه لما أشعر به نحوه من الود ولما ألمسه من الإخلاص.
ثانياً: أن الدكتورَ طه ليسَ علمانياً يبحث عن هدم الدين بمعاول التشكيك والتفكيك، بل هو رجلٌ مدافعٌ عن هذا الدين قولاً وعملاً منذ نعومة أظفاره، وقد ابتُليَ في هذه السبيل ‑ ضاعف الله أجره‑ وما صدَّه ذلكَ عنِ الدعوةِ وإقامةِ الحجَّة.
ثالثاً: أنَّ الشيخَ طه ليس من نوعية المفكرين أو المثقفين الذين يعالجون قضايا الإسلام والشريعة من خلال منظوماتٍ فكريةٍ خارجةٍ عن المناهج المعتمدة عند علماء المسلمين، بل هو عالمٌ أصوليٌّ ضليعٌ يتعاملُ مع موضوعاتِه بواسطةِ الأدواتِ المتعارفةِ تعضيداً وتفنيداً وجرحاً وتعديلاً وتفريعاً وتأصيلاً.
والشيخُ عالمٌ من علماءِ الشريعةِ، وكونُه عالماً من علماء الشريعة يقتضي حقَّ الحرمة ولا يقضى باستحقاق العصمة.
لهذه الأسباب أردتُ أنْ أكتبَ هذا التعليق، مع الاعتذار بأني لم أعطِ هذا الموضوع ما يستحق ؛ لكثرة الشواغل والصوارف التي لم تسمح لي بإنعام النظر والإمعان في البحث حتى يكون على مستوى ما يتوقع في قضيةٍ لها أهميةٌ . قضيَّةُ الردَّة والخروجِ عنِ الدِّين .
وسبق لي أنْ أعرضتُ عن عروضِ بعضِ وسائلِ الإعلامِ للنزولِ في حلبةِ الجدلِ الدائرِ في جملة من القضايا، ومنها هذه القضية ؛ لا نكوصاً عن إظهارِ ما اعتقدُه صحيحاً فيها، ولكنْ لأنَّ هذا الجدلَ تَعُوزه السكينةُ، ويُعْوزه الإنصاف، ويدخلُ أحياناً في دائرة الاتهام والصخب والإسفاف.
‑ وبالله سبحانه وتعالى استعين ‑
فأقول ما يلي:
إنَّ هذا التأليفَ الذي قدَّم هذا الموضوع من جميع جوانبه وزواياه التاريخية والحالية ومئالاته المستقبلية، وتوقَّف طويلاً مع الدليل وما يعتريه من أوجه العلل والقوادح وأقوال الفقهاء، ولهذا فقد أثار جملةً غيرَ يسيرةٍ من القضايا، وإنْ كانتِ الغايةُ التي يرمِي إليها والهدفُ الذي يتوخَّاه وهو حكم المرتد في شريعة الإسلام إلاَّ أنَّه مهَّد له بما يشبهُ تحقيقَ المناط.
وإني أتفقُ مع الكثير مما أوردَه في تلك المقدماتِ الممهداتِ، وبخاصة في سوء استغلال الشرعِ العزيزِ في مسألة التكفير ودعوى الارتداد . وقد كنت شخصياً معنيّاً بهذا الموضوع منذُ سنواتٍ ؛ حيثُ نُشرَ لِي بحثٌ في مجلة "البحوث الفقهية المعاصرة" في نفس الموضوع، ونشرتُ أخيراً عدة مقالات في جريدة "الشرق الأوسط" ؛ تركَّزت حول خطورة ظاهرة تكفير الناس ومنافاتها للدليل ؛ وأنها في مئالاتها تؤدى إلى الفتنة والضياع، ممَّا حملَ بعضَ المعلقين على القول بأني لا أوجبُ قتلَ المرتدِّ غيرَ أني لا أجسر على قول ذلك ! وقد لا يكون الأمرُ كذلكَ ولهذا فالهمُّ مشترك.
كما أني أوافقه على سوء استغلال الطرف المقابل لفتاوى التكفير ؛ حيثُ يصبحُ ضحاياها أبطالاً في بيئةٍ عالميةٍ، انعدمتْ فيها الخصوصيةُ وغابَ فيها التسامحُ الثقافيُّ، وبخاصة مِن قبَل أولئكَ الذينَ يدَّعون أنهم دعاةُ التسامحِ والتعايشِ.
كلُّ تلك المعاني التي أشارَ إليها فضيلتُه لا أختلف معه في دلالاتها ولا في المئالات التي تفضي إليها الفتاوى والتصرفات، والتي ينبغي أن تؤثِّر على الفتوى الفقهية في الزمان والمكان.
قدْ يكونُ من المناسب ونحن في المقدمات أن نشيرَ إلى ثلاث نقاط:
أوُّلها: ما يتعلق بمصطلح "الحد"، فقدْ لا أتِّفق مع ما ذُكر من أنه عدولٌ عن المصطلح القرآني، بل هو قصرٌ للمصطلحِ القرآني على بعضِ أفرادِه ؛ وذلك مبرَّر لسببين: السببُ اللغويُّ، وقد أشار إليه فضيلته، فإنَّ الحدَّ هو الفاصلُ بينَ شيئينِ الحاجزُ بينهما، وضرورة التعريف والتفريق بين العقوبات المحدودة بالنص وبين العقوبات المتروكة للاجتهاد تبرِّر هذا المصطلح.
السبب الثاني استعمالُ كلمةِ "الحد" في الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، كقوله عليه الصلاة والسلام لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله». وعليه فإني أرى أنَّ الفقهاء ما عدلوا عن المصطلح القرآني بل تصرَّفوا فيه بما تقتضيه ضرورات "التقنين الفقهي".
النقطة الثانية: ما يتعلق بالتراث اليهودي، وإني أتفق مع فضيلته في أنَّ هذا التراث حاول التسرب إلى الشريعة، ولكن علماء المسلمين انتبهوا لذلك منذ وقت ليس بالقصير ؛ فقد قرَّر أهلُ الحديث: أنَّ الصحابيَّ أو التابعي الذي ينظر في كتب أهل الكتاب لا يُعتبر كلامُه من نفسه في أمور الغيب مرفوعاً إلى النبي rوقالوا: إذا عُرف الصحابيُّ بالنظر في الاسرائيليات، كعبد الله بن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب، وكعبدالله بن عمرو بن العاص ؛ فإنه حصَّل في اليرموك كثيراً من كتب أهل الكتاب ؛ فكان أصحابه يقولون له حدثنا عن النبيr ولا تحدثنا من الصحيفة. قال السخاوي في فتح المغيث بعدما ذكر ذلك: فمثل هذا لا يكون حكمُ ما يخبرُ به من الأمور الغيبية الرفعُ لقوَّة الاحتمال.
أما أهلُ الأصول فاشترطوا في مسألةِ كونِ شرعِ مَن قبلنا شرعاً لنا ‑على القول به‑ أن يكون ثبت بشرعنا، وإلا فلا يعتد به، وهو أمر مؤيد بقوله تعالى ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. ومع ذلك فقد بقيتْ أخبارُ هؤلاء في كتب التفسير مأخوذةً من كتبهم أو مرويَّة من أحبارهم.
وأحسبُ أنَّ تأثيرها في فروع الشريعة كان ضئيلاً وإن كانت قد أثَّرت إلى حدٍّ ما في الثقافةِ وفي المقولات الكلامية.
النقطة الثالثة: وهي مسألةُ هيمنة القرآن على السنة. وهي مسألة تحتاج إلى توضيح: فالقرآن والسنة من مشكاة واحدة هي مشكاة النبوة ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ ، وهذا الإشكال لم يُطرح في الصدر الأول إلا من زاوية الثبوت، فالقرآنُ متواترٌ محفوظٌ، والسنَّة قد تردُ آحاداً، وبالتالي تضعفُ الثقةُ في نسبتها إليه عليه الصلاة والسلام، ومن هنا جاءَ قولُ عمرَ رضي الله عنه في قضيةِ فاطمةَ بنتِ قيس: ”لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت“، وقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها في رد حديث ابن عمر «إن الميت ليعذب ببكاء أهل عليه» إنه عليه الصلاة والسلام لم يقلْ هكذا محتجَّة بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى﴾ .
ومن هنا اختلفتْ أنظارُ العلماءِ في التعامل مع خبر الآحاد إذا خالفَ القواعدَ أوِ القياسَ أو عملَ أهل المدينة إلى آخر ما يعلمه فضيلتكم في المباحث الأصولية. وعندما دوَّن الشافعي أصولَ الفقه ووضعَ اللبناتِ الأولى لقواعد الاستنباط وترتيبِ الأدلة ؛ جعلَ القرآنَ والسنَّةَ في مرتبةٍ واحدةٍ ؛ مستدلاً بالآيات التي جعلتْ طاعةَ رسولِ اللهِ r طاعةً للهِ، إلا أنَّه أشارَ إلى أن السنة مبيِّنةٌ للقرآن، وما إخالُ البيانَ يختلفُ كثيراً عن الإنشاء في فهم الأوائل كما سنذكره.
وقد تعاملَ العلماءُ مع نصوصِ السنَّة تعاملَهم مع القرآن إذا ثبتتْ ثبوتاً لا يرتقي إليه شكٌّ بالتواترِ أوِ الاستفاضةِ مع وضوح الدلالة، وبخاصة السنة العملية في الصلاة والصوم والحج، إلا في حالاتٍ ليستْ بالكثيرةِ كموقفِ أحمدَ من عدمِ إمكانِ نسخِ السنَّة للقرآن، ونحوها من القضايا المبثوثة في كتب الفقه والأصول.
وإن كانت قد حصلتْ مواقفُ من بعض الطوائف الإسلامية في موضوعِ السُّنة إلاَّ أنَّ هذا هوَ المنهجُ العام والطريق اللاحب.
هذا من باب الإشارة إلى موضوعٍ لا أشكُّ أنكم أدرَى به.
وفي رأيي أنَّ نصوصَ القرآنِ والسُّنة تتضامنُ وتتكاملُ، وأنَّ كلياتِ القرآنِ هي نفسُها الكلياتُ التي أكدَّتْ عليها السُّنة وزادتها بياناً، ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ فكلُّ ذلك مِن عندِ الله إلاَّ أنَّ بعضَ الكلياتِ يعتريهِ التخصيصُ، وأحياناً تظهر فروعٌ تتجاذبها كلياتُ فتترجَّح بينها وبعض الكليات الأخرى لا يعتريه تخصيصٌ . وقد أشار الشاطبي إلى ذلك في العام حيث يقول: :"المسألة السابعة": العمومات إذا اتَّحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكرَّرت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص؛ فهي مُجراة على عمومها على كل حال، وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل.
والدليل على ذلك الاستقراءُ؛ فإنَّ الشريعةَ قرَّرتْ أنْ لا حرجَ علينا في الدين في مواضعَ كثيرة، ولم تستثنِ منهُ موضعاً ولا حالاً، فعدَّه علماءُ الملَّة أصلاً مطِّرداً وعموماً مرجوعاً إليه ؛ من غير استثناء، ولا طلبِ مخصِّص، ولا احتشام من إلزام الحكم به، ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام.
وأيضا قرَّرتْ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ فأعملتِ العلماءُ المعنَى في مجارى عمومه، وردّوا ما خالفه من أفراد الأدلة بالتأويل وغيره؛ وبينتْ بالتكرارِ أنْ «لا ضرر ولا ضرار»؛ فأبَي أهلُ العلمِ عَن تخصيصِه، وحملوه على عمومه، وأنَّ «من سَنّ سُنَّة حسنة أو سيئة كان له ممَّن اقتدى به حظٌّ ؛ إن حسناً وإن سيئاً». وأن «من مات مسلماً دخل الجنة ومن مات كافراً دخل النار».
وعلى الجملة؛ فكلُّ أصلٍ تكرَّر تقريرُه وتأكَّد أمرُه وفُهمَ ذلكَ مِن مجارِى الكلامِ فهوَ مأخوذٌ على حسَب عمومِه . وأكثرُ الأصولِ تكراراً الأصولُ المكِّية؛ كالأمرِ بالعدلِ والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وأشباه ذلك.
فأما إن لم يكن العمومُ مكرَّراً ومؤكداً ولا منتشراً في أبواب الفقه؛ فالتمسكُ بمجرَّده فيه نظرٌ ؛ فلا بد من البحث عما يعارضُه أوْ يخصِّصه، وإن
المزيد